فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 111

{وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ(100)}

ليس بخافَ أن لتقديمِ"الشركاءِ"حُسْنًا وروعةً ومأخذًا من القلوبِ، أنتَ لا تجدُ شيئًا منه إِنْ أنتَ أخَّرْتَ فقلتَ:"وجعَلوا الجنَّ شركاء الله"، وأنك ترى حالَك حالَ مَنْ نُقِلَ عن الصورةِ المُبْهجة والمَنْظر الرائقِ والحُسْنِ الباهرِ، إِلى الشيءِ الغُفْل الذي لا تَحْلَى منهُ بكثيرِ طائلٍ، ولا تصيرُ النفسُ به إِلى حاصلٍ. والسببُ في أن كانَ ذلك كذلكَ، هو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلًا لا سبيلَ إِليه مع التأخيرِ.

بيانه، أنَّا وإنْ كنَّا نرى جملةَ المعنى ومحصولَه أنَّهم جعلوا الجنَّ شركاءَ وعبدوهُمْ مع الله تعالى، وكان هذا المعنى يَحصُلَ مع التأخيرِ حصولَه مع التقديمِ، فإِنَّ تقديمَ"الشركاءِ"يفيدُ هذا المعنى، ويفيدُ معه معنى آخر، وهو أنه ما كانَ يَنبغي أن يكونَ لله شريكٌ، لا من الجن ولا غير الجن

والوصفِ نَفْسِه. وإذا أخرجتَ"كلاّ"من حيِّز النفي ولمْ تُدْخِلْه فيه، لا لفظًا ولا تقديرًا، كان المعنى على أنَّك تتبَّعْتَ الجملةَ، فنَفَيْتَ الفعلَ والوصفَ عنها واحدًا واحدًا. والعلةُ في أنْ كانَ ذلك كذلكَ، أنكَ إِذا بدأتَ"بكلٍّ"كنتَ قد بنَيْتَ النفيَ عليه, وسلَّطْتَ الكلِّية على النفْي وأعملْتَها فيه، وإعمالُ معنى الكُلِّيةِ في النفي يَقْتضي أن لا يَشُذَّ شيءٌ عن النفي، فاعرفْه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت