ومن أوضح ما يدلّ على أنّ إثبات الفعل للشيء على أنه سبب يتضمّن إثباته للمسبّب، من حيث لا يتصوّر دون تصوّره، أن تنظر إلى الأفعال المسندة إلى الأدوات والآلات، كقولك: «قطع السكّين» و «قتل السيف» ، فإنك تعلم أنه لا يقع في النفس من هذا الإثبات صورة، ما لم تنظر إلى إثبات الفعل للمعمل الأداة والفاعل بها. فلو فرضت أن لا يكون هاهنا قاطع بالسكّين ومصرّف لها، أعياك أن تعقل من قولك: «قطع السكين» معنى بوجه من الوجوه. وهذا من الوضوح، بحيث لا يشكّ عاقل فيه.
وهذه الأفعال المسندة إلى من تقع تلك الأفعال بأمره، كقولك: «ضرب الأمير الدرهم» و «بنى السّور» ، لا تقوم في نفسك صورة لإثبات الضّرب والبناء فعلا للأمير، بمعنى الأمر به، حتى تنظر إلى ثبوتهما للمباشر لهما على الحقيقة. والأمثلة في هذا المعنى كثيرة تتلقّاك من كل جهة، وتجدها أنّى شئت.
واعلم أنه لا يجوز الحكم على الجملة بأنها مجاز إلا بأحد أمرين:
فإمّا أنه يكون الشيء الذي أثبت له الفعل مما لا يدّعي أحد من المحقّين والمبطلين أن مما يصحّ أن يكون له تأثير في وجود المعنى الذي أثبت له، وذلك نحو قول الرجل: «محبّتك جاءت بي إليك» ، وكقول عمرو بن العاص في ذكر الكلمات التي استحسنها: «هنّ مخرجاتي من الشأم» ، فهذا ما لا يشتبه على أحد أنّه مجاز.
وإمّا أنه يكون قد علم من اعتقاد المتكلّم أنه لا يثبت الفعل إلا للقادر، وأنه ممن لا يعتقد الاعتقادات الفاسدة، كنحو ما قاله المشركون وظنّوه من ثبوت الهلاك فعلا للدهر، فإذا سمعنا نحو قوله (1) : [من المتقارب] أشاب الصغير وأفنى الكبي ... ر كرّ الغداة ومرّ العشي
وقول ذي الإصبع (2) : [من المنسرح] أهلكنا الليل والنهار معا ... والدّهر يعدو مصمّما جذعا
كان طريق الحكم عليه بالمجاز، أن تعلم اعتقادهم التوحيد، إما بمعرفة أحوالهم السابقة، أو بأن تجد في كلامهم من بعد إطلاق هذا النحو، ما يكشف عن قصد المجاز فيه، كنحو ما صنع أبو النجم، فإنه قال أوّلا (3) : [من الرجز] قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي ... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع
من أن رأت رأسي كرأس الأصلع ... ميّز عنه قنزعا عن قنزع
جذب الليالي: أبطئي أو أسرعي فهذا على المجاز وجعل الفعل للّيالي ومرورها، إلّا أنه خفيّ غير بادي الصفحة، ثم فسّر وكشف عن وجه التأوّل وأفاد أنه بنى أول كلامه على التخيّل فقال: