إن قوة هذه الأدلة ومصدرها الوحيد هو ضعف المتلقي لها، وليست ذاتية متأتية من طبيعة الأدلة نفسها إلا إن الضعيف يظهر قويًا عندما يجد من هو أضعف منه، وضعف الجماهير وعجزها عن التفكير المستقل أمر يعرفه علماؤهم، ولذلك تجدهم يحتجون لهم بمثل هذه الحجج الواهية وقد اطمأنوا إلى أنهم لن يجدوا من يعترض عليهم أو يفكر بذلك مجرد تفكير.
إن هؤلاء (العلماء) قد ألقوا في روع الجماهير أن القرآن صعب الفهم، وأن الروايات منوط فهمها بالعلماء فقط، وما على سواد الناس إلا الانقياد والتقليد الأعمى، ولا يحل لهم غير ذلك، وفي وسط هذا المحيط المدلهم كيف يمكن لأحد أن يتلمس سبيل الخلاص؟!
ولذلك فإن المقلد لا يتعب نفسه في مناقشة أدلة من يقلده بقدر ما يحاول التعرف على الفتوى ليعمل بها، ولذلك لا يكلف الفقهاء أنفسهم بالإتيان بالحجج والأدلة من أجل إقناع أتباعهم؛ لأن هؤلاء الأتباع مضمونة قناعتهم أصلًا، فإذا ذكروا لهم (الأدلة) فعلى سبيل التنزل والتفضل لا أكثر!!
ومع ذلك لا يجد (الفقيه) وسيلة أمامه لإثبات قوله إلا البتر والتقطيع والتصرف في النقل دون مراعاة للأمانة العلمية، وإيراد الروايات التي لا أصل معتمدًا لها.
إن هذا الصنيع يدلل بوضوح على الاضطراب النفسي الذي يعاني منه (الفقيه) ، والخوف من الأدلة ذاتها والرعب من مواجهتها كما هي، أو الصمود أمامها إذا انتصبت له حية كاملة.
إن الخائف الجبان لا يمكن أن يتصدى للأسد كما هو دون أن يراه مقطوع الرأس.
وإلا فصاحب الحق ثابت لا يخاف ولا يضطرب، أمين لا يزور الحقائق ولا يتلاعب بالأدلة، بل الحقيقة مطلبه والحق غايته والدليل سائقه، أينما توجه به توجه، وحيثما حل به نزل، فهو آمن لا يخاف وواثق لا يتزعزع.
( [1] ) الخمس بين السائل والمجيب (ص:3) ..
( [2] ) الخمس بين السائل والمجيب (ص:4) ..
( [3] ) الخمس بين السائل والمجيب (ص:3) ..