التنافر اللغوي بين خصوص لفظ (الغنيمة) وعموم لفظ (المكاسب)
قلنا: إنه لابد من علاقة بين المصطلح المشتق والأصل اللغوي المشتق منه، وهذه العلاقة لابد أن تكون متناسبة وليست متنافرة.
فالصلاة: نجد معناها الشرعي الاصطلاحي مناسبًا تمامًا لمعناها اللغوي الذي هو الدعاء. فإن الدعاء، إما دعاء طلب، أو دعاء تقرب، وقد يكون بالأقوال أو بالأفعال. والصلاة منقسمة بين أقوال وأفعال، فأدعيتها القولية إما أدعية سؤال وطلب مثل: (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ) [الفاتحة:6] وإما أدعية عبادة وتقرب مثل: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ) [الفاتحة:2] أما أفعالها وحركاتها، فكلها دعاء وتذلل وتقرب، ولكن بلسان الحال لا لسان المقال.
وهذا التناسب اللغوي لابد أن يتوفر بين كل معنى اصطلاحي ومعناه اللغوي.
وكذلك الأمر بالنسبة للغنائم والمكاسب فإنه لابد من علاقة بينهما مناسبة لا يشوبها التنافر، وهذا غير موجود.
(فالغنيمة) يدور معناها اللغوي حول الظفر بالشيء وهو يستلزم وجود مقاومة من ضد تظفر به، وخصم يحاول الإمساك بما تريد الحصول عليه منه، ولذلك قيل: ظفر فلان بعدوّه، أي: انتصر عليه، وهو مشتق من (الظفر) وهو المخلب. قال الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن: ظفره: أي نشب ظفره فيه، قال: (( مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ) ) [الفتح:24] ا هـ.
وهذا هو السر اللغوي في إطلاق الشارع الحكيم لفظ الغنيمة لا غيره - على المال المأخوذ قهرًا من الكفار المحاربين؛ لأنه مال مأخوذ على سبيل الظفر به من خصم مقاتل لا يرضى بتسليمه، فكأن الغانم أنشب ظفره فيه وانتزع ما انتزعه منه به.
ولذلك لا يطلق النفل على الغنيمة إلا إذا قصدنا واعتبرنا معنى الظفر والاستيلاء، قال الراغب في مفرداته عن النفل: قيل: هو الغنيمة بعينها، لكن اختلفت العبارة عنه لاختلاف الاعتبار، فإنه إذا اعتبر بكونه مظفورًا به، يقال له غنيمة. ا هـ.