الصفحة 36 من 50

وقال ابن قدامة رحمه الله: (ويجوز نصب المنجنيق عليهم، وظاهر كلام أحمد جوازه مع الحاجة وعدمها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف، وممن رأى ذلك الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، قال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نصب المنجنيق على أهل الطائف، وعن عمرو بن العاص أنه نصب المنجنيق على أهل الإسكندرية، ولأن القتال به معتاد فأشبه الرمي بالسهام) [86] اهـ.

وقد حكى ابن رشد رحمه الله اتفاق عوام العلماء على جواز الرمي بالمنجنيق، فقال: (واتفق عوام الفقهاء على جواز رمي الحصون بالمجانيق، سواء كان فيها نساء وذرية أو لم يكن، لما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف، وأما إذا كان الحصن فيه أسارى من المسلمين وأطفال من المسلمين، فقالت طائفة: يكف عن رميهم بالمنجنيق، وبه قال الأوزاعي، وقال الليث: ذلك جائز، ومعتمد من منعه قوله تعالى: {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ... الآية} ، وأما من أجاز ذلك فكأنه نظر إلى المصلحة) [87] اهـ.

وقال الصنعاني رحمه الله: (وفي الحديث دليل أنه يجوز قتل الكفار إذا تحصنوا بالمنجنيق، ويقاس عليه غيره من المدافع ونحوها) [88] اهـ

أما لو كان المختلطين بهم من المسلمين فلا يجوز قتلهم بحال، إلا إذا أفضى الامتناع عن قتلهم حين اختلاطهم بالكفار إلى تضرر عموم المسلمين بامتناع الوصول إلى الكفار في قلاعهم وحصونهم في جهاد الطلب، أو استيلاء الكفار على بلاد المسلمين وقتل من فيها حين الإغارة عليها، ففي هذه الحالات يجوز رمي الكفار حتى لو أُزهِقَت أرواح المسلمين المختلطين بهم، فالرامي مأجور على فعله، معذور إن قتل المسلم، والمقتول يبعثه الله على نيته.

وهذه المسألة شبيهة إلى حد بعيد بمسألة التترس [89] التي ذكرها العلماء.

[80] رواه البخاري ومسلم

[81] روى البخارى ومسلم وأحمد وأبو داود وابن حزيمة وابن حبان وأبو عوانة والشافعي والبيهقي وابن أبي شيبة والدارمي كلهم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغزُ حتى يصبح، فإذا سمع أذانا أمسك وإذا لم يسمع أذانا أغار بعد ما يصبح) ، وفي رواية أخرى: (كان يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان، فإذا سمع أذانا أمسك وإلا أغار) .

[82] كلمة منجنيق فارسية معربة وهي آلة قديمة ترمى بها الحجارة الكبار والنيران وهي تشبه المدافع، وقد تركت منذ أزمان للاستغناء عنها بالمدافع الحديثة.

[83] راجع قول من أثبت الرمي بالمنجنيق ومن ضعفه والرد عليهم: تاريخ الطبري: 3/ 62، السنن الكبرى للبيهقي: 9/ 84، الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/ 159، فتح الباري: 6/ 155، تلخيص الحبير: 4/ 104، نصب الراية: 3/ 382، سبل السلام للصنعاني: 4/ 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت