وأمّا التكرار؛ فهذا الإمام المُزَني تلميذ الشافعي قرأت كتاب (الرسالة) للشافعي خمسمائة مرة.
قال البخاري -رحمه الله-:"لا أعلم شيئا أنفع للحفظ من نهمة الرجل، ومداومة النظر" [1] ؛ لأنه سُئل عن دواء للحفظ، فقال الدواء الوحيد أنّ يكون عندك رغبة وحرص وتعلّق وفكر وهمّ؛ فهذا هو الذي يورثك -بإذن الله- قدرةً وطاقةً على الحفظ والضبط.
قيل لليث:"أمتع الله بك، إنا نسمع منك الحديث ليس في كتبك. فقال: أو كل ما في صدري في كتبي؟ لو كتبت ما في صدري، مَا وسعه هذا المركب" [2] . اهـ
ولذلك يذكرون عن الإمام ابن حزم -رحمه الله- عندما أُحرقت كتبه أنه قال:
فَإِنْ تَحْرِقُوا القِرْطَاسَ لاَ تَحْرِقُوا الَّذِي *** تَضَمَّنَهُ القِرْطَاسُ بَلْ هُوَ فِي صَدْرِي
يَسِيْرُ مَعِي حَيْثُ اسْتَقَلَّتْ رَكَائِبِي*** وَيَنْزِلُ إِنْ أَنْزِلْ وَيُدْفَنُ فِي قَبْرِي
دَعُوْنِيَ مِنْ إِحْرَاقِ رقٍّ وكاغدٍ *** وَقُولُوا بِعِلْمٍ كِي يَرَى النَّاسُ مَنْ يَدْرِي
وَإِلاَّ فَعُوْدُوا فِي المَكَاتِبِ بَدْأَةً *** فَكَمْ دُوْنَ مَا تَبْغُونَ للهِ مِنْ سِتْرِ
قَالَ عَلِيُّ بنُ خَشْرَم:"ما رأيت بيد وكيع كتابا قط، إنما هو حفظ، فسألته عن أدوية الحفظ، فقال: إن علمتك الدواء، استعملته؟ قلت: إي والله. قال: ترك المعاصي، ما جربت مثله للحفظ" [3] .
وهو الذي قال فيه الإمام الشافعي:
شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي *** فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي
وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ *** ونورُ الله لا يُهْدَى لعاصي
قيل للإمام الأصمعي: كيف حفظت، ونسوا؟ قال:"درست وتركوا" [4] ؛ راجعت وحفظت وداوت، وحياة العلم مذاكرته، وتركوا فنسوا كل ما تعلموه.
وقال الإمام الأصمعي عبد الملك بن قريض -رحمه الله- وهو من أهل السنة، قال:"أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة" [5] ، الأراجيز هي القصائد الطويلة، سوى المنثورات والقصائد القصيرة.
(1) انظر سير أعلام النبلاء ط الحديث 10\ 86.
(2) انظر سير أعلام النبلاء ط الحديث 7\ 214.
(3) انظر سير أعلام النبلاء ط الحديث 7\ 565.
(4) انظر سير أعلام النبلاء ط الحديث 8\ 324.
(5) انظر سير أعلام النبلاء ط الحديث 8\ 324.