سُئل أبو داوود:"أيما أحفظ: وكيع أو عبد الرحمن بن مهدي؟"، عبد الرحمن بن مهدي ووكيع ويحيى بن سعيد القطان كانوا أئمة الحديث في زمانهم، ومعهم أيضًا الإمام شعبة وسفيان الثوري ومالك، فقَالَ أبو داوود:"وكيع أحفظ، وعبد الرحمن أتقن، وقد التقيا بعد العشاء في المسجد الحرام، فتواقفا -يتذاكران الحديث-، حتى سمعا أذان الصبح" [1] ، وهذا حصل لكثير من الأئمة رحمهم الله جميعًا.
هذا هشام بن يوسف يقول:"أقام معمر عندنا عشرين سنة، ما رأينا له كتابا" [2] ، يعني: كان يحدثهم من حفظه، وكان -رحمه الله- جوّالًا، فأتى اليمن فأحبه أهل اليمن وأرادوه على البقاء فأبى، فاحتالوا له فزوجوه، فربض عندهم -رحمه الله تعالى-.
لكن هناك ثلاثة أمور ضعيفة في زماننا؛ ولذلك ثمرات قراءتنا -إن قرأنا- ضعيفة:
-الأولى: قلة الرغبة في الحفظ.
ولاشك:"فاحفظ فكل حافظ إمام".
والحفظ هو الأساس الذي يستعمله الإنسان بعد ذلك في التفكير وفي الاستنباط وفي الضبط، ونحن للأسف فَتَنَتْنَا الطريقة والأنموذج الأمريكي والبريطاني والغربي عامّة سوى الفرنسي؛ الذي يُركّز على الفهم فقط ولا يبالي بالحفظ، ولاشك أنّ هذا حَوَل، والطرف الآخر حَوَل آخر، والصواب أنّ يجمع الإنسان بين الأمرين؛ فإذا لم تكن تضبط الآية ولم تكن تعرف الحديث وتحفظه، فكيف ستستنبط وتستعله في الاحتجاج وفي الاستنباط وفي الفتيا وما أشبه هذا؟!
فالحقيقة الآن -للأسف- كثير من المُتَشرّعة والمُتَفقّهة تجده باحثًا، إذا بحث يبحث جيدًا ويأتيك بخلاصة وعصارة وضبط وتحقيق للمسألة، ولكن إذا نزعت منه كتابه ذهب كل شيء، ولاشك أن هذا انحراف.
-والأمر الثاني: ضعف المنهجية والخلل.
وكما قيل قديمًا:
من أجلِ كَوْنِكَ في البداية أَحْـوَ? *** ? بـُدَّ مــن شيخٍ يَـقُـودك أوّ?
مشكلة كثير ممنّ يَشدو العلم ويَرُومُه أنه لا يدري كيف يطلب العلم، وبالتالي يظلّ مُلَقْلقًا مقلقلًا مضطربًا ساعيًا في كل واد، فيأخذ من كل بستان زهرة قبل أن يثبت ويتأصّل ويحسن الضبط ويتعمق. ولذلك قال الإمام أبو عبيدة -رحمه الله-:"من شغل نفسه بغير المهم أضرّ بالمهم".
(1) انظر سير أعلام النبلاء ط الحديث 7\ 565.
(2) انظر سير أعلام النبلاء ط الحديث 6\ 473.