يعني أذكر أيّام الجامعة أنّنا كنّا ندرس في بعض السنوات في السنة الواحدة ثمانية عشر مادّة، الإمام الشنقيطي -رحمه الله- صاحب (أضواء البيان) يذكر أنهم لم يكونوا يسمحون في بلادهم لطالب العلم أن يجمع بين فنَّين إلا أن يكون خارق الذكاء أَلْمَعيًا لَوْذَعيًّا، هذا يُسمح له أن يجمع بين علمين في وقت واحد، وإلّا فعلم حتى يتقنه ثمّ ينتقل إلى غيره، ولكن نحن كما قال الإمام الزُّهري -رحمه الله-:"من رامَ أخذ العمل جُملةً ذهب عنه جملةّ" [1] .
سُئل (فولتير) .. ونحن أيّها الإخوة نستأنس أحيانًا بكلام بعض هؤلاء الكفار، والحكمة ضالّة المسلم، ولكن علينا أن نتذكر دائمًا أنهم لن يهدونا وقد ضلّوا، ولن ينفعونا وقد خسروا دنياهم وأُخراهم والله المستعان، سئل عن من سيقود الجنس البشري؟ فقال:"الذين يعرفون كيف يقرأون"، وحقيقية هذه هي أعظم مشكلة يعاني منها طلبة العلم في هذه الأيّام.
قال الشيخ أحمد الصُّويَّان:"ومن اللطائف العجيبة أن ابن الجوزي كان يتكلم عن ضرورة ترتيب الأولويات لطالب العلم، ثم يقول: [قد عُلم قِصر العمر وكثرة العلم، فيبتدئ بالقرآن وحفظه، وينظر في تفسيره نظرًا متوسطًا لا يخفى عليه بذلك منه شيء. وإن صحَّ له قراءة القراءات السبعة، وأشياء من النحو وكتب اللغة، وابتدأ بأصول الحديث من حيث النقل كالصحاح والمسانيد والسنن، ومن حيث علم الحديث كمعرفة الضعفاء والأسماء، فلينظر في أصول ذلك] [2] ، ثم ساق ابن الجوزي علومًا يبدأ بها طالب العلم في عصره، قد يعجز عنها بعض المنتسبين إلى العلماء في عصرنا .. !" [3] اهـ
يقول ابن رجب -رحمه الله-:"قال أحمد بن يحيى: سمعت أحمد غير مرة، يقول: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء" [4] ؛ هذه بليّة ابتلى بها الناس بكل زمان، هناك إنسان يحب الغريب ويبحث عن الشاذ، ويتتبّع الأخبار الغريبة والمنكرة والشاذّة والضعيفة، ويترك حفظ الصحيح والتّفقُّه فيه، فيضيع عمره في جمع الأسانيد والتكثُّر بها من غير طائل.
قال أبو بكر الخطيب البغدادي-رحمه الله-:"أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب على إرادتهم كتب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من روايات المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبا، والثابت مصدوفا عنه مطرحا،"..."وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين والأعلام من أسلافنا الماضين" [5] .
(1) جامع بيان العلم وفضله (652) .
(2) صيد الخاطر ط دار القلم صـ 184.
(3) ـ مقال (من آفات القراءة) للشيخ أحمد الصويان مجلة البيان العدد (149) .
(4) شرح علل الترمذي 2\ 623.
(5) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي صـ 141.