الصفحة 52 من 131

يقول ابن رجب:"وهذا الذي ذكره الخطيب حقّ. ونجد كثيرًا ممن ينتسب إلى الحديث، لا يعتني بالأصول الصحاح كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزار، ومعاجم الطبراني، وأفراد الدارقطني، وهي مجمع الغرائب والمناكير. [1] "

وهذا كثير للأسف، تجد طالب العلم يريد أن يبدأ بطلب الحديث فيبدأ بقراءة (منتقى ابن الجارود) ؛ طيب هل قرأت البخاري وهل قرأت مسلم؟ لا، ولكن يريد شيئًا غريبًا جديدًا، مع أنّ هذه هي أصول الإسلام وهي الصحاح وهي التي عُنِيَ بها العلماء وعليها المُعوَّل وعلى أصولها تدور أحكام الشريعة. نعم تلك يوجد فيها فوائد، والإنسان بعد أن يثبّت هذه لا بدّ له -إذا أراد أن يتبحّر وأن يتوسّع- أن يرجع إلى هذه الكتب ففيها خير كثير، ولكن يذهب يترك الأصول والصحاح ويقبل على تلك.

وهذا يفعله الآن في واقعنا كثير من الشباب، يبدأ في الطلب فبدل أن يبدأ بالبخاري يبدأ بـ (السلسلة الضعيفة) للشيخ الألباني -رحمه الله-، أو (السلسلة الصحيحة) له -رحمه الله-، نعم هذه فيها خير كثير وجهد مبارك وجمع، ولكن أولًا اقرأ (صحيح البخاري) وأنت مطمئنّ لتصحيح الإمام البخاري وما سارت عليه الأمّة وتلقّته بالقبول، ثمّ بعد ذلك إذا عظُمت همّتك ورَقَت عزيمتك اقرأ بعد ذلك هذه الكتب، لكن هذا لاشكّ أنه من الحول.

ولذلك قال الإمام أحمد -رحمه الله-:"تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب ما أقل الفقه فيهم!" [2] .

وهذا الأعمش يقول عن إبراهيم:"كانوا يكرهون غريب الكلام وغريب الحديث" [3] .

فهذا الأمر الثاني وهو ضعف المنهجيّة.

-أمّا الأمر الثالث: قلّة التعقُّل والتدبُّر.

الله تعالى قال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [4] ، وهذا هو كما أنه في كلام الله هو كذلك في كلام نبينا -صلى الله عليه وسلم-.

يقول أحدهم:"التفكير هو الذي يجعل ما نقرأه ملكًا لنا".

قال الإمام أحمد -رحمه الله-:"ما أقلّ الفقه في أصحاب الحديث"، يعني في كَتَبة الحديث، فكما ذكرنا قبل ذلك؛ كثير من هؤلاء همّهم -كما قال الإمام أحمد- جمع الغريب والمناكير والشاذ، وهؤلاء أكثرهم لا ذكر لهم في التاريخ، وإنّما نبغ ونبل أئمتنا الذين أحسنوا الحفظ مع الفقه والضبط.

(1) شرح علل الترمذي 2\ 624.

(2) انظر شرح علل النسائي لابن رجب الحنبلي 2\ 623.

(3) انظر شرح علل النسائي لابن رجب الحنبلي 2\ 622.

(4) سورة ص الآية 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت