وقال الإمام إسحق بن راهويه -رحمه الله-:"كنت أجالس بالعراق أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأصحابنا، فكنا نتذاكر الحديث من طريق وطريقين وثلاثة، فيقول يحيى بن معين من بينهم: وطريق كذا، فأقول: أليس قد صَحّ هذا بإجماعٍ مِنا؟ فيقولون: نعم، فأقول: ما مراده؟ ما تفسيره؟ ما فِقهه؟. فيقفون كلهم إلا أحمد بن حنبل -رحمه الله-" [1] .
قال ابن القيم:"الفكر هُوَ الَّذِي ينْقل من موت الفطنة الى حَيَاة الْيَقَظَة" [2] .
وعلى كل حال فالناس دائمًا درجات، وهذا الذي أشار إليه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه) [3] .
وعلى كل حال يبغي للإنسان أن يحرص أن يكون له دورٌ في حفظ هذا الدين؛ سواء بالحفظ أو بالفهم والاستنباط وحسن التدبر، أمّا أن لا يكون في العير ولا في النفير فهذا هو البلاء، ولهذا قال سفيان -رحمه الله-:"إنّي لأرى الرجل الشيخ الكبير لا يُحسن رواية الحديث فأشتهي أن أصفعه بالنّعال، في أي شيءٍ ضيّعت عمرك!"، في أيّ شيءٍ ضيعت عمرك وأنت لا تُحسن أن تقرأ كتاب ربك ولا تُحسن شيئًا عن حديث نبيك -صلى الله عليه وسلم-؟!
ونحن في زمان لو أردنا أن نفعل ما يشتهيه الإمام الثوري -رحمه الله- لما لبسنا نعالاتنا في أرجلنا، ولحملناها في أكفِّنا!، نسأل الله السلامة، والشكوى لله.
ولذلك قال ابن القيم -رحمه الله-:"فرب شخص يفهم من النص حكما او حكمين ويفهم منه الآخر مائة او مائتين" [4] . اهـ، والحقيقة سبحان الله خاصّة الإمام ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله- الذي يقرأ لهما يجد من حسن الاستنباط ودقّة الفهم وعظيم الاستنباط شيئًا عجيبًا، رحمهم الله جميعًا. وهذا أمر نحتاجه، وخاصّة حسن الفهم.
إذْ قيل كَمْ مُخطِّئٍ صحيحا *** لأجل كون فهمه قبيحا
كثير من النّاس كما قال الشاعر:
أقول له: عمرا فيسمعه سعدا *** ويكتبه حمدا وينطقه زيدا
(1) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي صـ 78.
(2) مفتاح دار السعادة ومشور ولاية العلم 1\ 183.
(3) سنن أبي داود (3660) سنن الترمذي (2656) .
(4) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم 2\ 60