ونحن - بإذن الله تعالى - أعف الناس قتلة، وأحرص الناس على دماء أهل الإسلام، ومن أجل ذلك نفرنا وللذود عن دمائهم وأعراضهم.
جئنا وقدوتنا في ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقد روى سعيد بن منصور قال: (أرسل سلمة بن قيس رسولًا ليبشر عمر رضي الله عنه بالفتح، فلما دخل قال له: لله أبوك فمن أنت؟ قلت: رسول سلمة بن قيس، قال: فتالله لكأنما خرجت من بطنه تحننًا علي وحبًا لخبر من جئت من عنده، وجعل يقول وهو يزحف إلي: إيهًا لله أبوك كيف تركت سلمة بن قيس؟ كيف المسلمون؟ ما صنعتم؟ كيف حالكم؟ قلت: على ما تحب يا أمير المؤمنين، فاقتصصت عليه الخبر إلى أنهم ناصبونا القتال فأصيب رجل من المسلمين، فاسترجع وبلغ ما شاء الله وترحم على الرجل طويلا، قلت: ثم إن الله فتح علينا يا أمير المؤمنين فتحًا عظيمًا فملأ المسلمون أيديهم من متاع ورقيق ورقة، قال: ويحك كيف اللحم بها؟ فإنها شجرة العرب ولا تصلح العرب إلا بشجرتها، قلت: الشاة بدرهمين، ثم قال: الله أكبر، ثم قال: ويحك هل أصيب من المسلمون رجل آخر؟) .
هكذا كان رضي الله عنه في حرصه على أهل الإسلام، ونحن على هذا الدرب بإذنه تعالى ماضون.
ومع ذلك فإننا نقول ...
-ثانيًا: الإسلام دين واقعي لا يهول مع الإنسان في مثاليات، ولا يطير به في أبراج عاجية تجافي الحقيقة وتنأى عن الواقع، ولذلك فقد تكلم أئمتنا قديمًا على المسألة الموسومة بمسألة"الترس":
وهي فيما إذا تترس الكفار ببعض أهل الإسلام ولم يكن يُخلص إليهم إلا بقتل الترس المسلم.
فقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (والله تعالى أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته والحديث في الصحيحين عن أمنا عائشة رضي الله عنها في قصة الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف بأولهم وآخرهم، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم - في بعض الرويات - كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم المكره وغير المكره وفيهم المستبصر وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"يخسف باولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم") .
قال شيخ الإسلام: (فالله تعالى أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته المكره فيهم وغير المكره مع قدرته على التمييز بينهم) .