الصفحة 86 من 131

ثم يقول: (بل لو كان فيهم قوم صالحون من خيار الناس ولم يمكن قتالهم إلا بقتل هؤلاء؛ لقتلوا أيضًا، فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا؛ فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار، ولو لم نخف على المسلمين؛ جاز رمي أولئك المسلمين أيضًا في أحد قولي العلماء، وإذا كان الجهاد واجبًا وإن قتل من المسلمين ما شاء الله، فقتل من يقتل في صفهم من المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا، وذلك أن مصلحة الجهاد قائمة على نهكة النفوس وإهراق الدماء في سبيل الله تبارك وتعالى، فلا تفوت المصلحة بمثل هذه المفسدة المتوهمة) .

وهذا الإمام النووي رحمه الله تعالى يقول أيضًا: (لو تترس الكفار بمسلمين من الأسارى وغيرهم نُظر؛ إن لم تدع ضرورة إلى رميهم واحتمل الإعراض عنهم لم يجز رميهم) .

وهذا على خلاف - كما تقدم معنا - بين العلماء.

ثم يقول: (وإن دعت ضرورة إلى رميهم بأن تترسوا بهم في حال التحام القتال، وكانوا بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا وكثرت نكايتهم، فوجهان؛ أحدهما: لا يجوز الرمي إذا لم يمكن ضرب الكفار إلا بضرب المسلم، والثاني: وهو الصحيح المنصوص - أي هو نص الإمام الشافعي رحمه الله - وبه قطع العراقيون - يعني من أصحاب الإمام الشافعي، وبه يقطع العراقيون في هذه الأيام ومعهم إخونهم المهاجرون - جواز الرمي على قصد قتال المشركين ويتوقى المسلمين بحسب الإمكان، لإن مفسدة الإعراض أكثر من مفسدة الإقدام، ولا يبعد إحتمال قتل طائفة للدفع عن بيضة الإسلام ومراعاة للأمور الكلية) .

وهذا الإمام القرطبي رحمه الله تعالى يقول أيضًا: (قلت؛ قد يجوز قتل الترس ولا يكون فيه اختلاف - إن شاء الله - وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية، فمعنى كونها ضرورية: أنه لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس، ومعنى أنها كلية: أنها عامة لكل الأمة حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، ومعنى كونها قطعية: أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعًا) .

وهذا الذي نعيشه هذه الأيام؛ فالعدو يتخللنا، وربما لا نخلص إليه إلا بوطء بعض أهل الإسلام، لكن في ذلك مصلحة قطعية كلية لأهل الإسلام، لأن أمريكا لو استمكن لها الأمر لوطأت أهل الإسلام في كل بقاع الأرض، ولخنقت أهل الإسلام في كل مكان.

قال القرطبي: (قال علمائنا؛ وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها، ولا يتأتى لعاقل أن يقول: لا يُقتل الترس في هذه الصورة بوجه، لأن يلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين، لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من المفسدة نفرت منها نفس من لا يمعن النظر فيها، فإن تلك المفسدة بالنسبة إلى ما يحصل منها عدم - أي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت