كالعدم - وهذا لأن هذه الدنيا ليس فيها مصلحة خالصة ولا شر محض، بل تختلط الأمور وتتمازج، والشرع جاء باعتبار أعلى المصلحتين ودفع أكبر المفسدتين).
وقال الإمام الميرغيناني أيضًا رحمه الله: (لا بأس برميهم وإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر، لأن في الرمي دفع الضرر لعام بالذب عن بيضة الإسلام، وقتل الأسير والتاجر ضرر خاص، ولأنه قل ما يخلو حصن من مسلم، فلو امتنع باعتباره لانسد باب الجهاد، وإن تترسوا بصبيان المسلمين أو بالأسارى لم يكفوا عن رميهم، لما بينا، ويقصدون بالرمي الكفار) .
وللجصاص رحمه الله كلام طويل، نذكر بعضه لترى الفرق الواضح بين علماء السلف وبين مهرجي العصر الحاضر من شيوخ الفضائيات وغيرهم من أصحاب الوجوه النخرة والأقلام المأجورة.
قال رحمه الله: (باب رمي حصون المشركين وفيهم أطفال المسلمين وأسراهم: قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري: لا بأس برمي حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى وأطفال من المسلمين، ولا بأس بأن يحرقوا الحصون ويقصدوا به المشركين، وكذلك إن تترس الكفار بأطفال المسلمين رمي المشركون، وإن أصابوا أحدًا من المسلمين في ذلك؛ فلا دية ولا كفارة) .
ومثل ذلك أيضًا؛ أن شرعنا قد جاء بتحريم قتل النساء وأطفال المشركين، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كما في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهم جميعًا، ومع ذلك؛ فإذا تترس بهم الكفار ولم يكن يخلص إليهم إلا بوطء الذرية والأطفال فإننا لا نمتنع عن ذلك.
وقد روى الإمام أبوداود في المراسيل عن طاووس؛ أن النبي صلى الله وسلم رمى بالمنجنيق على أهل الطائف، والمنجنيق لا يفرق بين صغير وكبير.
ولذلك قال الأمام الشافعي رحمه الله: (فإن قال قائل كيف أجزت الرمي بالمنجنيق وبالنار على جماعة المشركين وفيهم الولدان والنساء وهو منهي عن قتلهم؟ قيل: أجزنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم شن الغارة على بني المصطلق غارين وأمر بالبيات وبالتخريب، والعلم يحيط أن فيهم الولدان والنساء، وذلك أن الدار دار شرك غير ممنوعة، وإنما نهى أن تقتصد النساء والولدان بالقتل إذا كان قاتلهم يعرفهم بأعيانهم) .
ومثل ذلك ما قاله الشافعي أيضًا رحمه الله في كتاب"الأم": (وإن كان في الدار أسارى من المسلمين أو تجار مستأمنون؛ كرهت النصب عليهم لما يعم من التحريق والتغريق وما أشبهه، غير محرم له تحريمًا بينًا، وذلك أن الدار إذا كانت مباحة فلا يبين بأن تحرم؛ بأن