الصفحة 88 من 131

يكون فيها مسلم يحرم دمه، وإنما كرهت ذلك احتياطًا، ولأنه مباح لنا لو لم يكن فيها مسلم أن نجاوزها فلا نقاتلها).

ولذلك أجاز أئمتنا رحمهم الله تعالى مسألة التبييت، وهي ثابتة في الصحيحين عن الصعب بن جثّامة رضي الله عنهم جميعًا؛ أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل الدار من المشركين يبيتون فتصاب النساء والذرية؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هم منهم) .

ولذلك قال أحمد رحمه الله: (لا بأس بالبيات وهل غزو الروم إلا البيات) .

قال: (ولا نعلم أحدًا كره بيات العدو) .

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله:(فإن قيل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والذرية، قلنا: هذا محمول على التعمد بقتلهم.

قال أحمد:"أما أن يتعمد قتلهم فلا").

والمقصود أن هؤلاء يحرم القصد إلى قتالهم، لكن الشرع مع ذلك اعتبر ظروف الحرب ومعطياتها فأجاز قتلهم تبعًا إذا لم يقصد إلى ذلك.

وهنا قد يقول قائل ويتعلل بشبهة، وهي قوله: {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا} ، فيقول؛ إن الله تبارك وتعالى صدّ المسلمين عن مكة حفظًا وصونًا لدماء الغُيب غير المعروفين المجهولين من أهل الإسلام في مكة الذين كانوا يكتمون إيمانهم!

فنقول؛ كما قال الإمام الجصاص رحمه الله تعالى: (أمّا احتجاج من يحتج بقوله {ولولا رجال مؤمنون ... } ، في منع رمي الكفار لأجل من فيها من المسلمين؛ فإن الآية لا دلالة فيها على موضع الخلاف، وذلك لأن أكثر ما فيها أن الله كفّ المسلمين عنهم لأنه كان فيهم قوم مسلمون لم يأمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لو دخلوا مكة بالسيف أن يصيبوهم، وذلك إنما يدل على إباحة ترك رميهم والإقدام عليهم؛ فلا دلالة على حظر الإقدام عليهم مع العلم بأن فيهم مسلمين لأنه جائز أن يبيح الكف عنهم لأجل المسلمين، وجائز أيضًا إباحة الإقدام على وجه التخيير، فإذًا لا دلالة فيها على حظر الإقدام) .

وهذا الأمر يعتضد بأمرين أيضًا:

الأمر الأول؛ أن هذا الأمر كان في قتال الطلب لا في قتال الدفع، وقتال الدفع لا يشترط فيه شيء من الشروط التي تشترط في قتال الطلب، والأمر فيه أشد والفرض فيه آكد، والوجوب يعم الأمة كلها ولا رخصة في التخلف عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت