الصفحة 33 من 139

والإكراه المعتبر هنا هو ما انتفى فيه الرضى بالكفر مع كون المكره مكلفًا مختارًا لما فعله قاصدًا إليه غير ملجأ بحيث ينتفي قصده بالكلية.

وذلك أن المكره مكلف ولا يكون مكلفًا إلا إذا كان مختارًا أن يفعل ما أُكره عليه أو: ألا يفعل. أما إذا لم يكن مختارًا ولا يمكنه ذلك فإنه لا يكون مكلفًا ولا اعتبار لعمله الظاهر، ولا يدخل في أحكام التقية ابتداءً.

وعلى هذا فلا بد من التفريق بين الذي حقيقته طمأنينة القلب وانشراحه، وبين الاختيار [1] الذي حقيقته مجرد تحقق القصد إلى إيقاع الفعل الظاهر سواء رضي عنه الفاعل أم لا. فالرضى بالكفر هو مناط التكفير، وأما الاختيار والقصد إلى الفعل الظاهر فهو مناط التكليف.

لكن هل معنى هذا أن الرضى أمر باطني لا يمكن الحكم عليه؟

الحقيقة أن من كان مكلفًا مختارًا، وتظاهر بشيء من أعمال الكفر، ولم يكن مكرهًا لا يكون إلا كافرًا ولو ادعى أنه كاره لعمله في الباطن، لأن هذا حقيقة التلازم بين الظاهر والباطن، فلا عبرة إذن بدعوى الكره وعدم الرضى عن الكفر الظاهر مع عدم الإكراه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-في معنى قول الله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) [2] : (فإن قيل: فقد قال تعالى:(ولكن من شرح بالكفر صدرًا) . قيل: وهذا موافق لأولها، فإنه من كفر بغير إكراه فقد شرح بالكفر صدرًا، وإلا تناقض أول الآية وآخرها، ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره، وذلك يكون بلا إكراه لم يستثن المكره فقط، بل: كان يجب أن يستثني المكره وغيره إذا لم يشرح صدره، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعًا فقد شرح بالكفر صدرًا وهي كفر.

وقد دل على ذلك قوله تعالى: (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب) إلى قوله: (بأنهم كانوا مجرمين) [3] . فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل: كنا نخوض ونلعب، وبيّن أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام) [4] .

وعلى هذا فلا بد لدرء وصف الكفر عن المعين الذي تظاهر بما هو كفر من أن يكون مكرهًا وإلا كان كافرًا.

(1) -الاختيار: الميل إلى ما يراد ويرتضى. (التعريفات) (ص:69) .

(2) -سورة النحل، الآية رقم: (106) .

(3) -سورة التوبة، الآية رقم: (62/ 65) .

(4) -انظر: (مجموع الفتاوى) (7/ 220) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت