الصفحة 25 من 139

سبق أن بيَّنَّا أن (التقية من الاتقاء وهي: الاستخفاء بالإسلام لعذر يبيح ذلك، سواء كان ذلك بكتمان الدين وعدم إظهاره، أو: بإظهار ما يخالف الإيمان من كفر أو: معصية في الظاهر فقط. وهذه حالة استثنائية لا تباح إلا لموجب، إذ الأصل في المسلم أن يتطابق ظاهره وباطنه بحيث يكون ظاهره كباطنه، ولهذا كان التظاهر بكفر أو: معصية من غير عذر نفاقًا وخداعًا لا يصح بحال في غير التقية إلا في حالٍ واحدة هي: أن يكون ذلك حيلة لمصلحة المسلمين في الحرب خاصة دون غيرها لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:(الحرب خدعة) [1] . ومثال ذلك: ما فعله نعيم بن مسعود-رضي الله عنه -حين أسلم أثناء حرب الأحزاب ولم يكن أحد يعلم بإسلامه. فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

يا رسول الله. إني أسلمت فمرني بما شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت رجل واحد فخذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة) . وذهب إلى كل من اليهود ومشركي قريش وأوهمهم بما فرق الله به بينهم وكان مع ذلك يتظاهر لكل منهم بالنصح وأنه لم يسلم فكتم إسلامه لأجل هذه المصلحة [2] . وأما الخدعة بإظهار الكفر فمثاله: ما حصل من محمد ابن مسلمة وصحبه حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله ورسوله) . فقام محمد بن مسلمة فقال: (يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال:(نعم) . قال: فأذن لي أن أقول شيئًا. قال: (قل) . فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة وإنه قد عنَّانا وإني قد أتيتك أستسلفك. قال: وأيضًا والله لتملنَّه. قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه ... -الحديث) [3] . فهذا محمد بن مسلمة-رضي الله عنه - يستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يقول شيئًا فيأذن له صلى الله عليه وسلم، فيتظاهر أنه منافق، وأنه لم يسلم رغبة في الإسلام حتى يستدرج كعب بن الأشرف، وكان ذلك حين خرج له في الليل فقتله محمد بن مسلمة وأصحابه.

وهذا مما يدخل في عموم الإعذار بمثل هذا في الحرب، ولهذا بوب الإمام البخاري-رحمه الله-لهذه القصة بقوله: (باب: الكذب في الحرب) . وبوب لها الإمام أبو داود بقوله: (باب: العدو يؤتى على غرة ويتشبه بهم) . ومن كل ما سبق يعلم: أن التقية إذا لم تكن لعذر تباح له، ولم تكن في حرب فإنها لا تكون إلا نفاقًا. فإن كان التظاهر للكفار بما هو كفر كان كفرًا ونفاقًا أكبر [4] ، وإن كان بمعصية لم يكن ذلك من النفاق المخرج من الملة.

(1) -أخرجه البخاري في: (صحيحه) كتاب: الجهاد والسير (3030) ومسلم في: (صحيحه) كتاب: (1739) ، والترمذي في: (جامعه) كتاب: الجهاد (1675) ، وأبو داود في: (سننه) كتاب: الجهاد (2636) .

(2) -انظر: (زاد المعاد) (3/ 273) لابن القيم.

(3) -انظر: كتاب المغازي من (صحيح البخاري) (4037) .

(4) -كفر النفاق هو: إضمار الكفر في القلب، وإظهار الإسلام على الجوارح. ومما قلته بالسجن المحلي بتطوان في نظم أنواع الكفر الأكبر التسعة. رقم: 17/ 18:

أن تكون القلوب تضمر كفرًا ... وضيا الدين يجعل الوجه بدرا ...

تتجلَّى على الجوارح تقوى ... ووراء الظهور تكمُن بلوى

أما ابن القيم فقد جعل أنواع الكفر الأكبر أربعة لا غير، وقد نظمها فضيلة شيخنا عَلَم الأدب العلامة أبي أويس-حفظه الله وشفاه-في كتابه النفيس المخطوط الذي أسماه: (نقل النديم، وسلوان الكظيم) (ص:159) حيث قال:(فائدة مهمة: كثير من الناس يحسبون أن الكفر نوع واحد، والواقع أنه أنواع، ولذلك نظمتها في هذه الأبيات:

الكفر أنواعٌ قِباحٌ خمسةْ ... تكذيبُ رسْل الله ينحو بأسهْ ...

وكفرُ كِبْرٍ وإباءٍ كالذي ... صدَرَ من إبليسَ من قولٍ بَذِي ...

وكفر شك، وكذا الإعراض ... ثم الجحود قبله الأغراض).

وقد كتبت في نسختي الخاصة بمكتبتي تحت هذه الأبيات داخل السجن:

فاحرص على تهذيب نفسٍ عاصيَهْ ... فالذئب يفتك، بشاة قاصيَهْ ...

واحذَر من الإغواء واربأ-لي-بها ... عن كل سوءٍ من مساوي فعلها ...

قد أفلح المؤمن فاز التائب ... وباء بالخسران ذاك اللاعب

وكتبه تلميذه عمر الحدوشي بالسجن المحلي بتطوان12/صفر/1428هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت