بقي أن يعلم بعد ذلك أحكام التقية على التفصيل والفرق بين التقية بكتمان الدين، والتقية بإظهار الكفر ومناط الإعذار في ذلك.
أولًا-التقية بكتمان الدين:
الأصل في المسلم القيام بدينه وإظهاره وعدم الاختفاء به، وهذا واجب عليه. لكنه قد يعيش في مجتمع لا يستطيع فيه ذلك، وإلا أوذي وفتن عن دينه، وهنا تجب عليه الهجرة إلى بلد يستطيع فيه إظهار دينه.
وهذا الوجوب هو مناط إيجاب الهجرة على من فتن في دينه، ولم يستطع إظهاره. ولا علاقة لهذا بكون الدار دار كفر أولا، فمتى تحقق الأمن للمسلم واستطاع إظهار دينه وموالاة المسلمين والبراءة من الكافرين لم تكن الهجرة واجبة عليه.
ويقول الإمام الشافعي-رحمه الله-: (دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن فرض الهجرة على من أطاقها، إنما هو على من فتن عن دينه بالبلد الذي يسلم بها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لقوم بمكة أن يقيموا بها بعد إسلامهم.، العباس بن عبد المطلب وغيره إذ لم يخافوا الفتنة، وكان يأمر جيوشه أن يقولوا لمن أسلم: إن هاجرتم فلكم ما للمهاجرين، وإن أقمتم فأنتم كأعراب، وليس يخيرهم إلا فيما يحل لهم) [1] .
لكن ليس كل أحد يفتن في دينه يستطيع الهجرة فما الحكم؟. إن الواجب على المسلم أن يظهر دينه بقدر استطاعته، فإن خاف الفتنة ولم يستطع الهجرة جاز له كتمان دينه وعدم إظهاره لئلا يفتن. لكن مع الاستمساك به في الخفاء وعدم مشايعة الكفار على كفرهم بل: ولا على معاصيهم ابتداء من غير إكراه يبيح ذلك.
(1) -انظر: (الأم) (4/ 169/170) للإمام الشافعي.