الصفحة 27 من 139

ومن هذا يعلم أن إنكار من كان حاله كذلك لا يمكن في الظاهر باليد ولا باللسان، فيكفيه حينئذ الإنكار بالقلب الذي هو كره الكفر وأهله وعدم الرضى عنهم وعن كفرهم لأنه لا يمكنه إلا ذلك. وهذا هو معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) [1] . وأما من استطاع إنكار المنكر في الظاهر فلم يفعل فإنه يأثم لتركه الواجب عليه في ذلك. لكنه لا يكفر بمجرد عدم إنكاره مع قدرته حتى يتحقق منه ما يستوجب الكفر في الظاهر من قول أو: فعل. وقد شذ عن هذه القاعدة من يرون أن الأصل في الناس اليوم الكفر [2] . فلم يكفهم اشتراط التبين لإثبات وصف الإسلام-مع وجود ما يدل عليه من الإقرار أو: ما يقوم مقامه-بدعوى أن الناس يجهلون مفهوم الشهادتين. حتى حكموا بأن عدم الاعتراض الظاهر على من يحكّمون غير الشريعة من القوانين الوضعية دليل كافٍ على الرضى في الباطن [3] . وأنهم بذلك قد شايعوا حكامهم وتابعوهم على عدم تحكيم الشريعة. وأن ذلك هو الأصل فيهم حتى يظهر منهم ما يدل على خلافه بعد التبين. ونتيجة هذا القول أن من لم يتبين إسلامه ولم يهاجر في مثل هذه الظروف يكون كافرًا لا ولاية بينه وبين المسلمين. ويعتمدون في ذلك على ما يفهمونه من آيات الأنفال في نفي الولاية بين المسلمين المهاجرين وبين من أسلم بمكة ولم يهاجر. والآيات هي قول الله تعالى: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض. والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيءٍ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير) . إلى قوله تعالى: (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقًا لهم مغفرة ورزق كريم) [4] . والملاحظ أن الله قد ذكر مع المؤمنين من المهاجرين والأنصار طائفة ثالثة هم المؤمنون الذين لم يهاجروا.

وقد حكم الله تعالى أن لهذه الطائفة الثالثة حق النصرة في الدين إلا على قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق. لكن مع ذلك فليس لهم ولاية حتى يهاجروا. ومعلوم علمًا قطعيًا أن الولاية المنفية عنهم ليست الولاية التي هي مقتضى الأخوة الإيمانية لتحقق وصف الإيمان لهم كما حكم الله به لهم. وليست أيضًا ولاية النصرة مع أن الله قد أمر بنصرهم في الدين إذا لم يكن ثَم ميثاق بين من استنصروا بالمسلمين عليهم وبين المسلمين. فما هي الولاية المنفية عنهم في الآية إذن؟.

(1) -رواه مسلم في: (صحيحه) ، كتاب الإيمان رقم: (49) ، وأحمد في: (مسنده) (3/ 10/20/ 49/50) ، وأبو داود في: (سننه) ، كتاب الملاحم رقم: (1140/ 4340) ، والترمذي في: (جامعه) ، كتاب الفتن رقم: (2172) ، والنسائي في: (سننه) ، كتاب الإيمان (8/ 111/112/رقم:5008) ، وابن ماجة في: (سنن) ، كتاب الفتن رقم: (1275/ 4013) ، وصححه ابن حبان رقم: (306/ 307) . انظر: (جامع العلوم والحكم) (2/ 243/رقم:34) .

(2) -ونسوا قول الأئمة: (يكفر من نسب الأمة إلى الضلال، أو: الصحابة إلى التكفير) . ومثل هذا قولهم: (لا يوجد حلال ولا حرام) . وإطلاق هذه العبارة خطير جدًا، لأن فيها تكذيب الله وكتابه ورسوله - رضي الله عنهم - الخ.

(3) -وهذا هو المقرر في عقيدة جماعة مصطفى شكري وكرم زهدي وغيرهم من الذين تخرجوا من غياهب وزنازين سجون مصر تحت وطأة التعذيب الخطير بالكلاب والكُلاَّب والاغتصاب، وجرد السجين من الثياب، وقلع الأنياب، وقطع الأعصاب، وسد الأبواب، وغيرها من أنواع التعذيب التي رأى كاتب هذه الحروف معظمها بدائرة (الأمن) بالمعارف بالدار البيضاء على يد عميد الشرطة ومعاونيه، التعذيب حتى الإغماء 3 أيام متتالية ولا زالت آثاره على جسدي، الحجز في المرحاض بدون نافذة ولا أي تهوية ... الخ.

(4) -سورة الأنفال، الآية: (72/ 73/74) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت