الصفحة 28 من 139

لقد حصل اللبس في فهم المقصود بفهم الولاية هنا قديمًا كما وقع ذلك حديثًا، ونكتفي هنا ببيان الإمام أحمد-رحمه الله-لذلك حيث يقول: (وأما قوله:(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) [1] . وقال في آية أخرى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيءٍ) [2] . وكان عند من لا يعرف معناه ينقض بعضه بعضًا. أما قوله: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيءٍ) يعني: من الميراث، وذلك أن الله حكم على المؤمنين لما هاجروا إلى المدينة أن لا يتوارثوا إلا بالهجرة، فإن مات رجل بالمدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم وله أولياء بمكة لم يهاجروا كانوا لا يتوارثون. وكذا إن مات رجل بمكة وله ولي مهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرثه المهاجر، فذلك قوله: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيءٍ) [3] من الميراث (حتى يهاجروا) . فلما كثر المهاجرون رد ذلك الميراث إلى الأولياء هاجروا أم لم يهاجروا، وذلك قوله: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين) . وأما قوله: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) [4] . يعني في الدين، والمؤمن يتولى المؤمن في دينه. فهذا تفسير ما شكَّت فيه الزنادقة) [5] . وقد بين الأستاذ سيد قطب-رحمه الله-حكم هذه الطائفة الثالثة الذين آمنوا ولم يهاجروا وأنهم لا يكفرون بمجرد ذلك، فكان مما قاله: (ثم وُجِد أفراد آخرون دخلوا في هذا الدين عقيدة ولكنهم لم يلتحقوا بالمجتمع المسلم فعلًا ... وجد هؤلاء الأفراد سواء في مكة أو: في الأعراب حول المدينة يعتنقون العقيدة ولكنهم لا ينضمون فعلًا للمجتمع الذي يقوم على هذه العقيدة، ولا يدينون فعلًا دينونة كاملة للقيادة القائمة عليها ... إلى أن قال: فهؤلاء الأفراد ليسوا أعضاءً في المجتمع المسلم، ومن ثم لا تكون بينهم وبينه ولاية. ولكن هناك رابطة العقيدة) [6] .

ولأجل ما تقدم، فإن الصحابة قد اختلفوا في شأن من أسلم بمكة وبقي فيها ولم يهاجر مع قدرتهم على ذلك، ثم أُكرهوا على القتال مع الكفار يوم بدر. فمن الصحابة من تأسف لقتلهم، ومنهم من رأى أنهم يقتلون لأجل تفريطهم في عدم الهجرة حتى أُكرهوا على القتال مع المشركين. ولو كانوا عندهم كفارًا لم يتأسفوا عليهم. يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب-رحمه الله-: (إن أناسًا من المسلمين لم يهاجروا كراهة مفارقة الأهل والوطن والأقارب ... فلما خرجت قريش إلى بدر خرجوا معهم كرهًا، فقتل بعضهم بالرمي، فلما علم الصحابة أن فلانًا قتل وفلانًا قتل تأسفوا على ذلك، وقالوا: قتلنا إخواننا. فأنزل الله تعالى فيهم:(إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض) إلى قوله: (وكان الله غفورًا رحيمًا) [7] . فليتأمل الناصح لنفسه هذه القصة، وما أنزل الله فيها من الآيات، فإن أولئك لو تكلموا بكلام الكفر، وفعلوا كفرًا ظاهرًا يرضون به قومهم لم يتأسف الصحابة على قتلهم، لأن الله بين لهم وهم بمكة لما عذبوا قوله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن

(1) -سورة التوبة، الآية: (71) .

(2) -سورة الأنفال، الآية: (72) .

(3) -سورة الأنفال، الآية: (72) .

(4) -سورة التوبة، الآية: (71) .

(5) -انظر: (الرد على الجهمية، ضمن عقائد السلف) (ص:62) .

(6) -انظر: (ظلال القرآن) ، لسيد قطب-رحمه الله- (ص1558/ 1559) .

(7) -راجع في (ظلال القرآن) ، لسيد قطب-رحمه الله-تفسير هذه الآية: (ص1558/ 1559) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت