الصفحة 29 من 139

بالإيمان) [1] . فلو كانوا سمعوا عنهم كلامًا أو: فعلًا يرضون به المشركين من غير إكراه ما كانوا يقولون: قتلنا إخواننا) [2] .

ثانيًا: التقية بإظهار الكفر:

لا يجوز بحال إظهار الكفر ابتداءً من غير إكراه [3] بدعوى التقية، بل: لا يجوز ذلك بما هو معصية. ولهذا لما فعل حاطب ابن أبي بلتعة-رضي الله عنه -ما فعل من مكاتبة كفار قريش بخبر مسير الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه إلى مكة لم يعذره الرسول صلى الله عليه وسلم حتى إن بعض الصحابة كعمر-رضي الله عنه -قال: إنه قد نافق.

لكن الرسول صلى الله عليه وسلم تبين حاله لاحتمال أن يكون فعله كفرًا وردة عن الإسلام أو: أن يكون معصية لا تخرجه من الملة. فلما تبين للرسول صلى الله عليه وسلم حاله وأنه إنما كاتب قريشًا مصانعة ومداهنة لهم وتقية لأجل حفظ ماله وأهله بمكة لا مظاهرة للمشركين ولا موالاة لهم على دينهم، لم يكفروه وكانت تلك المعصية منه مغفورة بحسنته العظمى يوم بدر. فإذا كان هذا في معصية ولم يعذر حاطب-رضي الله عنه -بل: كان آثمًا بذلك فكيف بالكفر؟. فالتظاهر بكفر أو: معصية من دون عذر يبيح ذلك يوجب المؤاخذة بحسب ما تحقق في الظاهر من كفر أو: معصية.

وهذا الاشتراط في التقية هو حقيقة الفرق بين منهج أهل السنة في التقية ومنهج الشيعة في ذلك. فإن التقية عندهم هي الأصل، فتباح من دون إكراه موجب بل: لمجرد احتمال الضرر ولو لم يتحقق فعلًا. وهذا في الحقيقة نفاق وليس من التقية في شيء. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان هذه المسألة: (التقاة: ليست بأن أكذب وأقول بلساني ما ليس في قلبي، فإن هذا نفاق، ولكن أفعل ما أقدر عليه كما في(الصحيح) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) [4] . فالمؤمن إذا كان بين الكفار والفجار لم يكن عليه أن يجاهدهم بيده مع عجزه، لكن إن أمكنه بلسانه وإلا فبقلبه. مع أنه لا يكذب ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، إما أن يظهر دينه وإما أن يكتمه، وهو مع هذا لا يوافقهم على دينهم كله، بل: غايته أن يكون كمؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون. وهو لم يكن موافقًا لهم على جميع دينهم، ولا كان يكذب ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه، بل: كان يكتم إيمانه، وكتمان الدين شيء وإظهار الدين الباطل شيء آخر، فهذا لم يبحه الله إلا لمن أكره بحيث أبيح له النطق بكلمة الكفر، والله تعالى قد فرق بين المنافق والمكره.

والرافضة حالهم من جنس حال المنافقين، لا من جنس حال المكره الذي أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان) [5] . ومن هنا نعلم الفرق بين المناط في الإعذار بكتمان الدين وأنه العجز عن إظهاره

(1) -سورة النحل، الآية: (106) .

(2) -انظر: (مختصر سيرة الرسول - رضي الله عنهم - ضمن المجموع) (ص:33/ 34) .

(3) -ويستثنى من ذلك الحرب فقط.

(4) -رواه مسلم في: (صحيحه) ، كتاب الإيمان رقم: (49) انظر: (جامع العلوم والحكم) (2/ 243/رقم:34) . سبق تخريجه آنفًا.

(5) -انظر: (منهاج السنة النبوية) (6/ 424) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت