الزنديق بالكسر: من الثنوية، أو: القائل بالنور والظلمة، أو: من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو: من يبطن الكفر ويظهر الإيمان [1] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الزنديق في عرف الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي، وهو أن يظهر الإسلام ويُبطن غيره، سواء أبطن دينًا من الأديان [2] كدين اليهود والنصارى أو: غيرهم، أو: كان معطلًا جاحدًا للصانع، والمعاد، والأعمال الصالحة. ومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يسمى في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة، ونقلة مقالات الناس، ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول، لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك أو: أسره. وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله أخبر بزيادة الكفر-كما أخبر بزيادة الإيمان-بقوله تعالى:(إنما النسيء زيادة في الكفر) [3] وتارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو: مرتكبي الكبائر. كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابًا فوق العذاب بما كانوا يفسدون) [4] . فهذا لأصل ينبغي معرفته، فإنه مهم في هذا الباب، فإن كثيرًا ممن تكلم في (مسائل الإيمان والكفر) لتكفير أهل الأهواء- لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع المعلوم، بل: هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ومن تدبر هذا علم أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع قد يكون
(1) -انظر: (القاموس المحيط) (ص:1151) ، (فصل الزاي، باب: القاف) ، أما النسخة التي عندي داخل زنزانتي الانفرادية بالسجن المحلي بتطوان فهي: (ص:802) ، دار الفكر. توثيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي. تحت إشراف: مكتب البحوث والدراسات.
(2) -والمراد بالأديان هنا في كلام ابن تيمية الشرائع، لأن دين الإسلام واحد، والرسل كلهم كان دينهم الإسلام قال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) . وقال: (ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) . وقد قلت في نظم (العقيدة الطحاوية) (رقم:180/ 181/182/ 183) :
الدين عند الله إسلامٌ به ... دِنَّا ودَانَ سَوَالِفُ الأخْيَارِ ...
أما الديانات السَّمَاويةُ التي ... يدعو لها ذُو الإفكِ والإجهارِ ...
هذا ضلال بيِّنٌ لِمُبَصَّرِ ... من أيْنَ للإِسْلاَم بالبُصَّارِ؟ ...
لو قيل: تلك شرائعٌ سَمَويةٌ ... ما كان هذا القولً ذا إنكار
ويشهد لما قلنا: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الأنبياء إخوة لعلات-أي: الزوجات لرجل واحد-أمهاتهم شتى ودينهم واحد) . أخرجه البخاري كتاب الأنبياء، (3443) ، ومسلم كتاب الفضائل، (2365) . وأبو داود كتاب السنة، (4675) . ولآية: (25) من سورة الأنبياء، و (65/ 73/85/ 126) من الأعراف، و (128/ 130/131) من البقرة، و (125) من النساء، و (111) من المائدة. وغيرها كثير. كلها تبين أن جميع أنبياء الله ورسله ومن اتبعهم على مر الزمان مسلمون، أما شرائعهم فمتنوعة. فما يتبجح به المنافقون في هذا العصر في الإعلام -وفيهم من هو محسوب على أهل العلم-وهو جهل مركب- بل: الصواب أن يقولوا: الشرائع السماوية بدل: الأديان السماوية. تأمل.
(3) -سورة التوبة، الآية رقم: (37) .
(4) -سورة النحل، الآية رقم: (88) .