ولو لم يكن إكراه. وأما إظهار الكفر والمعصية فلا بد لإباحة التقية فيه من الإكراه. وذلك لأن القيام بتحقيق المطلوب مشروط بالاستطاعة، وأما ترك المنهي فالأصل فيه الترك، وليس مما تشترط فيه الاستطاعة، وإنما يكون اشتراط الاستطاعة عند الإكراه على المخالفة بفعل المنهي عنه. ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ... إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) [1] . فعمم الأمر بالامتناع عن كل منهي عنه، وقيد فعل المأمور بالاستطاعة.
وعلى هذا الأصل-أعني: اشتراط الإكراه في التظاهر بالكفر-أدلة كثيرة، منها،-وهو أوضحها وأظهرها-قول الله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا) إلى قوله: (الكافرين) [2] . فلم يعذر الله أحدًا في الكفر الظاهر بغير الإكراه. فمن تظاهر بالكفر ولم يكن مكرهًا، فإنه لا يكون إلا كافرًا لانشراح صدره بالكفر لتلازم الظاهر والباطن. فلا عذر لأحد في ذلك بغير الإكراه مطلقًا سواء كان كفره محبة لوطنه أو: لأهله وعشيرته أو: توقعه أذى الكفار ونحو ذلك.
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب- في بيان دلالة هذه الآية على هذا لأصل-: (لم يعذر الله ... إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفًا أو: مداراة أو: مشحة بوطنه أو: أهله أو: عشيرته أو: ماله، أو: فعله على وجه المزح أو: لغير ذلك من الأغراض إلا المكره. فالآية تدل على هذا من وجهين:
الأول: (إلا من أكره) ، فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو: الفعل، وأما عقيدة القلب فلا يكره عليها أحد.
الثاني: قوله تعالى: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة) [3] ، فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو: الجهل أو: البغض للدين أو: محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظأً من حظوظ الدنيا فآثره على الدين) [4] . ولهذا فإنه لما كان بمكة قوم قد نطقوا بالشهادتين لكنهم
(1) -رواه البخاري في: (صحيحه) ، كتاب: الاعتصام"بالكتاب والسنة"رقم: (7288) ، ومسلم في: (صحيحه) ،"كتاب الحج"رقم: (ص:1821/رقم:1337) ، وأحمد في: (مسند) (2/ 258/428/ 517) ، والترمذي في: (جامعه) ،"كتاب العلم"رقم: (2681) ، والنسائي في (سننه) ،"كتاب الحج": (5/ 110/111/رقم:1619) ، وصححه ابن حبان (18/ 21) ، وانظر تمام تخريجه في: (صحيح ابن حبان) ، بتحقيق الأرناؤوط، و (جامع العلوم والحكم ... ) (1/ 238 - وما بعدها/ رقم:9) .
(2) -سورة النحل، الآية رقم: (106/ 107) .
(3) -سورة النحل، الآية رقم: (107) .
(4) -انظر: (كشف الشبهات) للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ضمن مجموعة مؤلفات-العقيدة والآداب الإسلامية- (ص:180) .