ظاهروا المشركين من غير إكراه، لم يعذرهم الله تعالى بل: حكم بنفاقهم وكفرهم وبين ذلك للمسلمين فقال تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا) إلى قوله: (وليًا ولا نصيرًا) [1] .
يقول الإمام ابن كثير-رحمه الله-: (قال العوفي عن ابن عباس نزلت في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس. وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت طائفة: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله! - أو: كما قالوا- أتقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم نستحل دماءهم وأموالهم، فكانوا كذلك فئتين، والرسول صلى الله عليه وسلم عندهم لا ينهى أحدًا من الفريقين عن شيء فنزلت:(فما لكم في المنافقين فئتين) الآية. رواه ابن أبي حاتم، وقد روى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا) [2] . فهؤلاء لما ظاهروا المشركين ووالوهم على دينهم [3] لم ينفعهم ما تظاهروا به من الإسلام [4] لأن ما فعلوه لم يكن تقية أُكرهوا عليها، وإنما كان اختيارًا منهم لذلك، فلم يكن لهم عذر، وعلى هذا الأصل تفهم آية التقية وهي قول الله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه ... ) [5] .
فمعنى الآية هو: أن مظاهرة المشركين مطلقًا سواء كان ذلك بقول أو: فعل أو: موالاة لهم وخروج من الملة من حيث الأصل. إلا أن يكون ذلك تقية. والتقية في ذلك لا تكون بمجرد الخوف وتوقع الضرر، وإنما تكون بحصول الإكراه حقيقة.
(1) -سورة النساء، الآية رقم: (88/ 89) .
(2) -انظر: (تفسير ابن كثير) (1/ 533) .
(3) -والمقصود من مظاهرة الكفار على المسلمين، أن يكون أولئك أنصارًا وظهورًا وأعوانًا للكفار ضد المسلمين، فينضمون إليهم، ويذبون عنهم بالمال والسنان والبيان، فهذا كفر يناقض الإسلام. (مجموع الفتاوى) (11/ 160) ، و (اقتضاء الصراط المستقيم) (1/ 237/238) كلاهما لابن تيمية. والموالاة والمظاهرة للمشركين تكون في عدة معان انظرها في: (تفسير ابن كثير) (1/ 514) ، و (المحلى) (13/ 138) ، و (الدرر السنية) (7/ 165/166) ، و (مجموعة التوحيد) (1/ 313/314) جمع ابن قاسم، و (تفسير السعدي) (2/ 304) ، و (نواقض الإيمان القولية والعملية) (ص:361/ 377) ، و (من تشبه بقوم فهو منهم) (ص:17/ 18/ صدق الله العظيم /21) ، و (مختصر معارج القبول) (ص:121) للقحطاني، و (تيسير ذي الجلال والإكرام، بشرح نواقض الإسلام) (ص:86/ إلى:96) لسعد القحطاني. ومظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، هو الناقض الثامن من النواقض العشرة المجمع عليها وقد قلت في نظم هذه الناقض:
مَن يَنهضُ للمشركين مناصرًا ... فلقد غدا منهم بلا إبهام
رقم البيت: (22) . بتاريخ8/ربيع الأول1428هـ السجن المحلي بتطوان.
(4) -هذا السبب هو الموافق لظاهر الآية وسياقها. وأما ما ورد عن زيد بن ثابت أن ذلك كان من المنافقين الذين رجعوا يوم أحد إلى المدينة، فبعيد، وإن كان في (الصحيحين) ، لأن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة أحد لم يكن عليهم هجرة، كيف وهم في دار الهجرة؟ وقد قال تعالى: (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ... ) ولأجل هذا رجح الإمام الطبري وغيره أن المقصود بالآية من كانوا بمكة على ما سبق وصفهم.
(5) -سورة آل عمران، الآية رقم: (28) .