قال تعالى {الأنعام 114} :
أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا.
قال الماوردي {النكت والعيون ج2 ص159} :
فيه وجهان: أحدهما: معناه هل يجوز لأحد أن يعدل عن حكم الله حتى أعدل عنه. والثاني: هل يجوز لأحد أن يحكم مع الله حتى أحتكم إليه. هـ
وقال ابن جرير {تفسير الطبري ج12 ص60} :
أي: قل: فليس لي أن أتعدَّى حكمه وأتجاوزه، لأنه لا حَكَم أعدل منه، ولا قائل أصدق منه. هـ
وليس للمؤمن أن يتغي غير الله حكما اقتداءا بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل لا بد أن يجعل العبد هواه تبعا لدين الله وللكتاب والسنة.
وأخرج أبو داود والنسائي عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ أَبِيهِ هَانِئٍ، أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَهُ وَهُمْ يَكْنُونَ هَانِئًا أَبَا الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟» فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ، قَالَ: «مَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوُلْدِ؟» قَالَ: لِي شُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَمُسْلِمٌ، قَالَ: «فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟» قَالَ: شُرَيْحٌ، قَالَ: «فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» فَدَعَا لَهُ وَلِوَلَدِهِ.
فكون القاضي يحكم بين الناس إنما يحكم بحكم الله تعالى، مستندا في ذلك إلى كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وما تفرع عنهما، لذلك اشترط كثير من العلماء في القاضي أن يكون مجتهدا عالما بحكم الله تعالى.
فقوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فيه إثبات تفرد المولى سبحانه وتعالى بالحكم فلا حكم غيره.
قال الملا علي القاري {مرقاة المفاتيح ج7 ص3003} :
(فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ) : عَرَّفَ الْخَبَرَ وَأَتَى بِضَمِيرِ الْفَصْلِ فَدَلَّ عَلَى الْحَصْرِ، وَأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ مُخْتَصٌّ بِهِ لَا يَتَجَاوَزُ إِلَى غَيْرِهِ (وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ) أَيْ: مِنْهُ يُبْتَدَأُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ يَنْتَهِي الْحُكْمُ. هـ
وقال العز بن عبد السلام {قواعد الأحكام ج2 ص158} :
وَتَفَرَّدَ الْإِلَهُ بِالطَّاعَةِ لِاخْتِصَاصِهِ بِنِعَمِ الْإِنْشَاءِ وَالْإِبْقَاءِ وَالتَّغْذِيَةِ وَالْإِصْلَاحِ الدِّينِيِّ وَالدُّنْيَوِيِّ، فَمَا مِنْ خَيْرٍ إلَّا هُوَ جَالِبُهُ، وَمَا مِنْ ضَيْرٍ إلَّا هُوَ سَالِبُهُ، وَلَيْسَ بَعْضُ الْعِبَادِ بِأَنْ يَكُونَ مُطَاعًا بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ، إذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ إنْعَامٌ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْته فِي حَقِّ الْإِلَهِ، وَكَذَلِكَ لَا حُكْمَ إلَّا لَهُ