القول الرشيد في
حقيقة التوحيد
لفضيلة الشيخ
سليمان بن ناصر العلوان
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده وستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن الله جل وعلا ما أرسل الرسل، ولا أنزل الكتب إلا ليعبد وحده لا شريك له، ويفرد بجميع أنواع العبادة، من: خوف، ورجاء، وتوكل، ورغبة، ورهبة، وخشية، وإنابة، ونحو ذلك من أنواع العبادات التي أمر الله بها عباده، وفرضها عليهم.
قال تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .
وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء .. } ... [البينة: 5] .
وحقيقة الإخلاص إفراد الله بالعبادة وتصفية الأعمال من الشوائب المكدرة لها.
وقال تعالى:- {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ - أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} [هود: 1 - 2] .
والقرآن كله من فاتحته إلا خاتمته يبين التوحيد ويوضحه، فلا تمر بآية من كتاب الله إلا وفيها ما يدل على التوحيد، فهو: أوجب الواجبات، وأهم المهمّات، ومن ثمّ كان أوّل أمر في كتاب الله: الأمر بالتوحيد.
قال تعالى:- {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] . وأوّل نهي في كتاب الله: النهي عن الشرك.
قال تعالى:- {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] .
ولو لقى الله العبدُ بأعمال أمثال الجبال، من: صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وصدقة، وليس معه توحيد لما قبله الله منه، ولجعل أعماله هباءً منثورًا؛ لأنّه لم يأت بما يدخل به في الإسلام. ويخلص به من الشرك.
وقد أُمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأن يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، كما جاء ذلك عنه في"الصحيحين"وغيرهما من حديث واقد بن محمّد ابن يزيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -.
فمن دعي للدخول في الإسلام ولم يستجب لداعي الله فقتاله أمرٌ واجبٌ إلاّ أن يعطي الجزية حتى لا يبقى مشرك على ظهر الأرض له سلطان، ويكون الدين كله لله.
قال تعالى:- {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] . أي: شرك، {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} .
فما دام الشرك موجودًا وغير الله يعبدُ فالقتال باقٍ، وعلى هذا قامت دعوة سيد المرسلين، المبعوث لمحق الشرك، وقمع المشركين، ونشر راية التوحيد، الذي هو: إفراد الله بالعبادة دون تنديد به.
وفي"صحيح مسلم"من طريق عكرمة بن عمّار، حدثنا: شداد ابن عبد الله، ويحيى بن أبي كثير عن أبي أمامة قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت وأنا في الجاهلية أظن أنّ الناس على ضلالة وأنّهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجلٍ بمكة يخبر أخبارًا فقعدتُ على راحلتي فقدمت عليه فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستخفيًاَ جرآءُ عليه قومه، فتلطّفت حتى دخلت عليه بمكة
فقلت له: ما أنت؟
قال: أنا نبي.
فقلت: وما نبي؟
قال: أرسلني الله.
فقلت: وبأي شئ أرسلك؟
قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحّد الله لايشرك به شئ ..."وعلى هذا أُسست دعوة المرسلين."