إنه لم يعد خافيًا على كل مسلم ما تمر به الأمة الإسلامية من ويلات، غزو سافر بشتى أنواعه، و حرب طاحنة لاجتثاث ما تبقى من شجر العزة و الكرامة و تركيع النفوس الأبية النادرة في المسلمين اليوم، مهّد لذلك غزوات فكرية شاملة أسفرت عن مسخ الأدمغة. كل ذلك من قبل أعدائها الكفرة و أذنابهم المنافقين، فعلى الصعيد العسكري ترسف بعض البلاد الإسلامية في أغلال الاحتلال"الاستعبادي"كما هي حال فلسطين والشيشان و كشمير و أفغانستان و العراق و الصومال. و على الجانب الآخر فكل البلاد المنتسبة إلى الإسلام ترزح تحت وطأة الاحتلال الفكري و السياسي و الاقتصادي، فلا غرو أن ترى بعض رؤساء البلاد يهنئ العدوَ المحتل على كفره و عدوانه، تأسيًا بسلفه الغابر، ذكر الإمام ابن الكردبوس: أنه لما سقطت مدينة طليطلة بأيدي النصارى الملاعين وجّه كل رئيس إقليم بالأندلس رسلَه و وفوده إلى الفونسو السادس مهنئين له و بأنفسهم مفتدين به. تاريخ الأندلس لابن كردبوس (ص88) .
و بالجملة فما نجا من نيران الإحتلال العسكري فهو خول و خدم للنصارى و اليهود كجارية متملقة بارعة في تأدية تعاليم و مراسيم الأسياد لكنها بأسلوب عصري خلاّب، و رحم الله الإمام عبد ابن البر فما أصدقه و أنصفه في توصيف أمراء الحرب و رؤساء الفرقة و الاختلاف بالأندلس حين قال واصفًا: (فصار كل من غلب منها"الأندلس"على موضع ملكه، استعبد أهله و كثر فيها الأمراء فضعفوا، و صاروا خولًا للنصارى) القصد والأمم في التعريف بأصول العرب و العجم (ص35) . و تفرقوا شيعًا فكل مدينة فيها أمير المؤمنين و منبر.
و قال عصريه و تلميذه ابن حزم: (إن كل مدبر مدينة أو حصن في شيء من أندلسنا هذه أولها عن آخرها محارب لله تعالى و رسوله و ساع في الأرض بالفساد) إلى أن قال: (و الله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرب المسلمين لعن الله جميعهم و سلط عليهم سيفًا من سيوفه) . رسائل ابن حزم (3/ 13 - 16) .