إن ماجرى في جيبوتي أمر يندى له الجبين و تدمى له العين و يصدع القلب من كمد، عظم به الخطب و اشتد به الكرب و لاحول ولا قوة إلا بالله، لكن لاينبغي للمؤمن أن يبكي على الأطلال و يصدم على الأنقاض أسى بل يجب عليه أن يكشف عن ساق الجد و الاجتهاد بعد الاستعانة بالله و الاعتماد عليه {و من يتوكل على الله فهو حسبه} {و من يتق الله يجعل له من أمره يسرًا} {و مالنصر إلا من عند الله} {أليس الله بكاف عباده} .
و يحاول جاهدًا كشف الغمة عن المسلمين و تبديد ضباب الذل و الهوان الجاثم على صدور المسلمين، و أن لا يعطي الدنية في دينه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، و انطلاقًا من هذا فهاك كلمةً في الهزيمة:"إن الحكم و السيادة و الغلبة و الاستيلاء نوعان: أحدهما الغلبة المعنوية و الخلقية، و الآخر المادية و السياسية، فأما الغلبة من النوع الأول: فهي أن تتقدم أمة من حيث قواها الفكرية و العلمية تقدمًا يجعل سائر الأمم تؤمن بأفكارها فتتغلب نظراتها على الأذهان و تستولي منازعها و معتقداتها على المشاعر و تنطبع بطباعها العقليات فتكون الحضارة حضارتها و العلوم علومها و التحقيق ما تقوم به هذه و الحق ما هو عندها حق و الباطل ما تحكم عليه أنه باطل. و أما الغلبة من النوع الآخر فهي أن تصبح أمة من شدة الصولة و البأس باعتبار القوة المادية بحيث تعود الأمم الأخرى لا تستطيع أن تحتفظ باستقلالها السياسي إزاءها فتستبد هذه بجميع وسائل الثروة عند تلك الأمم و تسيطر على تدبير شؤونها كاملةً أو إلى حدٍ ما. و كذلك الهزيمة و الخنوع نوعان: أحدهما الهزيمة الفكرية و الأخرى السياسية و قس بيان هذين على ماسبق من بيان نوعي الغلبة"و أخطر الهزائم وأشدها على المجتمعات الهزيمة المعنوية"النفسية"و التي هي التنازل و التخلي عن المبادئ الأساسية و الأصول الثابتة للمجتمعات التي طالما بذلت مهجها للذود عنها. وأما الهزيمة العسكرية فالحرب سجال والأيام دول {و تلك الأيام نداولها بين الناس} يوم لك و يوم عليك و هذا من طبيعة الصراعات و سنة الدفع بين الخلق و كذلك كانت حروب الأنبياء و المسلمين. فلا غرو في أن يهزم المسلمون في معركة عسكريًا بل في معارك متتالية لكن الهزيمة الساحقة و القاصمة للظهور في أن يتنازلوا عن دينهم و توحيدهم و حقوقهم الأساسية مهما اعتذروا في ذلك بمعاذير سخيفة ساقطة في ميزان الشرع فلاعجب في انهزام المجاهدين أمام