وقد يتذاكى علينا من اعتاد صياغة جمل هلامية يحفظ فيها خط الرجعة لنفسه أمام جميع الأطراف فيقول أتقصد من كلامك أن الشعب ليس له سلطة في تولية وعزل الحاكم؟ فردنا عليه أننا نفرق جيدًا بين السيادة التي لا حق لأحد من البشر فيها وفي المقابل سلطة الشعب المسلم في اختيار الحاكم المسلم ليحكمه في ظل سيادة الشريعة، وسلطة الشعب المسلم في عزل هذا الحاكم إن ظلم شعبه أو خرج على سيادة الشريعة. فهذه السلطة للشعب نقر بها ونعتبرها من حق الشعب بل ومن واجبه.
وهذه السلطة منضبطة بأحكام الشرع من حيث كيفية اختيار الأمة للحاكم، ومن حيث كيفية عزله إذا خرج على أحكام الشرع. فسيادة الشريعة في النظام الإسلامي هي العقد الملزم للطرفين، فالأمة تعزل الحاكم إن خرج عن هذه السيادة، والحاكم في المقابل لا يُبايع من قبل الأمة كأجير عندها لينفذ لها ما تريد كما في الديمقراطية، وإنما يُبايع من الأمة لينفذ الشرع، فلو خرج الناس الذين بايعوه عن الشرع قاتلهم حتى يرجعوا.
نعود فنقول: نحن نعارض تسييد الشعب حتى مع اعتباره وسيلة مرحلية لنزع السيادة من السلطات الديكتاتورية المعادية للشريعة. نعارضه حتى لو قال قائل: أنا لا أقر بسيادة الشعب لكننا نتخذها وسيلة لتطبيق الشريعة.
لكن الديمقراطيين ذهبوا إلى أبعد وأخطر من ذلك، فالتصريحات المذكورة تصحح مفهوم سيادة الشعب في ذاته، لا أنها تعتبره وسيلة فاسدة اضطرارية لغاية بل أصبح يُروَّج لفكرة أن إرادة الشعب مقدسة في ذاتها حتى لو اختار غير شرع الله!
أصبح يُكرس في النفوس أن الشعب هو صاحب الحق في الحكم على الأشياء، وأن حكمه محترم أيًا كان، إذ أنه يمثل الشرعية الشعبية. هذا المفهوم الفاسد، وهذا الدين الجديد المسمى"سيادة"