الشبهة الرابعة: هذا القول لم أعرف أحدًا قال به من العلماء أو هم أعلم منا بالأدلة، أو؛ لو كان حق ما خفي على فلان أو فلان.
الجواب:
أولًا:
إذا لم تعرف أنت أحد قال بهذا القول فغيرك يعرف من العلماء الربانيين من قال بهذا.
ثانيًا:
نحن مأمورون باتباع كتاب الله وسنة رسوله، قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ... ) .
وأمرنا الله أن نسأل أهل الذكر إذا كنا لا نعلم، ولكن إذا وافق قولهم الدليل، أما إذا خالف الدليل؛ فيُترك، لقوله تعالى: {فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر} ، أي بالدلائل والبراهين.
ونحن مأمورون عند النزاع بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله، قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء: 59] ، بل إذا خالف قول الصحابة رضوان الله عليهم الدليل، تركنا قولهم.
ومن ذلك قول ابن عباس رضي الله عنه للذي سأله عن المتعة في الحج، لما قال له الرجل: ولكن أبو بكر وعمر يقولان بذلك، فقال ابن عباس: (تكاد أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!) .
ومن هما أبو بكر وعمر؟ هما أفضل الصحابة، ومن العشرة المبشرين بالجنة، فكيف بمن يعارض قول الله أو رسوله بقول أحد دون الصحابة بمراحل؟!
قال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله: (فإذا اختلف الناس في شيء من أمور الدين، هل هو واجب أو محرم أو جائز؟ وجب رد ما وقع فيه الاختلاف إلى الله والرسول، ويجب على المؤمن إذا دعي إلى ذلك أن يقول: سمعًا وطاعة، قال الله تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا} [النور: 51] ، فنحن نحاكم من نازعنا في هذه المسألة وغيرها من المسائل إلى الله والرسول، لا إلى أقوال الرجال وآرائهم) [53] أهـ.
ثم إذا علمنا حكم الله فيجب علينا الاتباع، وعدم المخالفة، لأن الله رتب على من خالف أمره بأن تصيبه الفتنة والعذاب الأليم، قال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] .
قال الإمام أحمد: (أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك) .
والآيات في الأمر باتباع كتاب الله، والتحذير من تركه كثيرة جدًا.
ثالثًا:
هذه بعض أقوال العلماء على هذه الشبهات:
قال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله: (وقول الجاهل لو كان هذا حقًا ما خفي على فلان وفلان، هذه دعوى الكفار في قولهم: {لو كان خيرًا ما سبقونا إليه} [الأحقاف: 11] ، {أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا} [الأنعام: 53] ، وقد قال علي رضي الله عنه: اعرف الحق تعرف أهله، وأما الذي في حيرة ولبس، فكل شبهة تروج عليه، فلو كان أكثر الناس اليوم على الحق، لم يكن الإسلام غريبًا، وهو والله اليوم في غاية الغربة) [54] أهـ.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله عن طاعة الأحبار والرهبان: (ويقول: هم أعلم منا بالأدلة، ولا يأخذ بالدليل إلا المجتهد، وربما تفوهوا بذم من يعمل بالدليل، ولا ريب أن هذا من غربة الإسلام، كما قال شيخنا رحمه الله في المسائل: فتغيرت الأحوال وآلت إلى هذه الغاية، فصارت عند الأكثر عبادة الرهبان من أفضل الأعمال، ويسمونها ولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين) [55] أهـ.
[53] الدرر السنية 11/ 78.
[54] الدرر السنية 10/ 400 - 401.
[55] فتح المجيد 378.