الصفحة 9 من 13

الشبهة الأولى: قول بعضهم لو عرفنا أن هذا طاغوت، فلم يكلفني الله به، أو لم يفرض علي الله تكفيره، أو أنا أحب أهل التوحيد لكن لا أتعرض أهل الشرك ... وغيرها.

الجواب:

أولًا:

اعلم أن الله فرض علينا الكفر بالطاغوت، قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36] ، وراجع صفة الكفر بالطاغوت.

ثانيًا:

جعل النبي صلى الله عليه وسلم الكفر بالطاغوت مع الإيمان بالله عاصم للدم والمال، فكيف نقول: لم يكلفنا الله بهم أو بتكفيرهم، أو بالكفر بهم، أو عدم تعرضهم؟

روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله) .

ثالثًا:

إذا كان الإيمان لابد أن يكون بالقلب واللسان والجوارح، فكذلك الكفر بالطاغوت لابد أن يكون كذلك.

قال ابن القيم رحمه الله: (إن الإيمان قول وعمل، والقول قول القلب واللسان، والعمل عمل القلب والجوارح، وبيان ذلك أن من عرف الله بقلبه، ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمنًا، كما قال عن قوم فرعون: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} [النحل: 14] ، وكما قال عن قوم عاد وقوم صالح: {وعادًا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين} [العنكبوت: 38] ، وقال موسى لفرعون: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر} [الإسراء: 102] ، فهؤلاء حصل لهم قول القلب، وهو المعرفة والعلم، ولم يكونوا بذلك مؤمنين، وكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه، لم يكن بذلك مؤمنًا، بل كان من المنافقين، وكذلك من عرف بقلبه وأقر بلسانه، لم يكن بمجرد ذلك مؤمنًا، حتى يأتي بعمل القلب من الحب والبغض والموالاة والمعاداة، فيحب الله ورسوله، ويوالي أولياء الله ويعادي أعداءه، ويستسلم بقلبه لله وحده، وينقاد لمتابعة رسوله وطاعته، والتزام شريعته ظاهرًاُ وباطنًا، وإذا فعل ذلك لم يكف في كمال إيمانه، حتى يفعل ما أمر به) [44] أهـ.

انظر الى كلام ابن القيم رحمه الله كيف أن الإنسان لا يكون مؤمنًا حتى يأتي بعمل القلب، الحب والبغض والموالاة ومعاداة أعداء الله، فأعظم أعداء الله هو الطاغوت فيجب الكفر به.

رابعًا:

أمرنا الله سبحانه وتعالى بمقاتلة الكفار، والطواغيت هم رؤوس الكفر، قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} [البقرة: 193] ، فالقتال هو أعظم المعاداة والبغض للطواغيت، فكيف تقول إن الله ما كلفنا بهم أو غير ذلك من الكلام.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (وأنت يا من منّ الله عليه بالإسلام، وعرف أن ما من إله إلا الله، لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق، وأنا تارك ما سواه، لكن لا أتعرض للمشركين، ولا أقول فيهم شيئًا، لا تظن: أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام، بل لابد من بغضهم، وبغض من يحبهم، ومسبتهم، ومعاداتهم كما قال أبوك إبراهيم والذين معه: {إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده} ) [45] أهـ.

وقال أيضًا: (فالله، الله، إخواني: تمسكوا بأصل دينكم أوله وآخره، أسه ورأسه، وهو: شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناها، وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم، ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت، وعادوهم، وابغضوا من أحبهم، أو جادل عنهم، أو لم يكفرهم، أو قال ما علي منهم، أو قال ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى، بل كلفه الله بهم، وفرض عليه الكفر بهم، والبراءة منهم، ولو كانوا: إخوانه، وأولاده، فالله، الله، تمسكوا بأصل دينكم لعلكم تلقون ربكم، لا تشركون به شيئًا، اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين) [46] أهـ.

انظر أيضًا ماذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب فيمن يجادل عن الطواغيت: (ومن جادل عنهم، أو أنكر على من كفرهم، أو زعم أن فعلهم هذا لو كان باطلًا فلا يخرجهم إلى الكفر، فأقل أحوال هذا المجادل؛ أنه فاسق لا يقبل خطه ولا شهادته، ولا يصلى خلفه، بل لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء، وتكفيرهم كما قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} [البقرة: 256] ) [47] أهـ.

[44] عدة الصابرين 141.

[45] الدرر السنية 2/ 109.

[46] الدرر السنية 2/ 119 - 120.

[47] الدرر السنية 10/ 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت