اعلم رحمك الله أنه يجب علينا الكفر بالطاغوت لأن الكفر بالطاغوت شرط لصحة التوحيد، قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} [البقرة: 256] .
قال الشنقيطي رحمه الله على هذه الآية: (والإيمان بالطاغوت يستحيل اجتماعه مع الإيمان بالله، لأن الكفر بالطاغوت شرط في الإيمان بالله أو ركن منه، كما هو صريح قوله: {فمن يكفر بالطاغوت ... الآية} ) [10] أهـ.
وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا} [النساء: 60] .
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (اعلم رحمك الله، أن أول ما فرض الله على ابن آدم: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، والدليل قوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36] ) [11] أهـ.
أما صفة الكفر بالطاغوت فهي كالتالي:
-الأول: اعتقاد بطلانها.
-الثاني: تركها.
-الثالث: بغضها.
-الرابع: تكفير أهلها.
-الخامس: تعاديهم.
-السادس: إزالته عند القدرة.
وقد بشر الله سبحانه الذين اجتنبوا الطاغوت بقوله تعالى: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد} [الزمر: 17] .
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (فأما صفة الكفر بالطاغوت: فأن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغضها، وتكفر أهلها، وتعاديهم، وأما معنى الإيمان بالله، فأن تعتقد أن الله هو الإله المعبود وحده، دون من سواه، وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله، وتنفيها عن كل معبود سواه، وتحب أهل الإخلاص، وتواليهم، وتبغض أهل الشرك وتعاديهم، وهذه ملة إبراهيم التي سفه نفسه من رغب عنها، وهذه هي الأسوة التي أخبر الله بها في قول: ه {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة: 4] ) [12] أهـ.
وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: (والمراد من اجتنابه؛ هو بغضه، وعداوته بالقلب، وسبه وتقبيحه باللسان، وإزالته باليد عند القدرة، ومفارقته، فمن ادعى اجتناب الطاغوت ولم يفعل ذلك فما صدق) [13] أهـ.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: (فالحنفاء أهل التوحيد؛ اعتزلوا هؤلاء المشركين لأن الله أوجب على أهل التوحيد اعتزالهم، وتكفيرهم، والبراءة منهم، كما قال تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيًا} ، إلى قوله: {فلما أعتزلهم وما يعبدون من دون الله} [مريم: 48 - 49] ، وقال: {إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة: 4] ، وقال عن أهل الكهف: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ... الآية} [الكهف: 16] ، فلا يتم لأهل التوحيد توحيدهم، إلا باعتزال أهل الشرك، وعداوتهم وتكفيرهم، فهم معتزلة بهذا الاعتبار؛ لأنهم اعتزلوا أهل الشرك، كما اعتزلهم الخليل إبراهيم عليه السلام) [14] أهـ.
واعلم؛ أن الله سبحانه وتعالى قدم البراءة من المشركين العابدين غير الله على البراءة من المعبودات من الأوثان، لأنه قد يتبرأ الشخص من المعبودات والأوثان ولا يتبرأ ممن عبدها فتختل عنده البراءة، قال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم انا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة: 4] .
قال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله على هذه الآية: (وهنا نكتة بديعة في قوله: {إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله} ، وهي: أن الله تعالى قدم البراءة من المشركين العابدين غير الله، على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله؛ لأن الأول أهم من الثاني، فإنه قد يتبرأ من الأوثان ولا يتبرأ ممن عبدها، فلا يكون آتيا بالواجب عليه، وأما إذا تبرأ من المشركين، فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم، وهذا كقوله تعالى: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيًا} ، فقدم اعتزالهم على اعتزال معبوداتهم، وكذا قوله: {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله} ، وقوله: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله} ، فعليك بهذه النكتة فإنها تفتح لك بابًا إلى عداوة أعداء الله، فكم من إنسان لا يقع منه الشرك، ولكنه لا يعادي أهله فلا يكون مسلمًا بذلك إذا ترك دين جميع المرسلين، ثم قال: {كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا} فقوله: {وبدا} ؛ أي: ظهر وبان، وتأمل تقديم العداوة على البغضاء لأن الأولى أهم من الثانية، فإن الإنسان قد يبغض المشركين ولا يعاديهم، فلا يكون آتيًا بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء، ولا بد أيضًا؛ من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين، أي ظاهرتين بينتين) [15] أهـ.
وقال تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} [هود: 113] .
قال ابن عباس: (لا تركنوا؛ أي لا تميلوا) .
[10] أضواء البيان 1/ 261.
[11] الدرر السنية 1/ 161.
[12] الدرر السنية 1/ 161.
[13] الدرر السنية 10/ 502 - 503.
[14] الدرر السنية 11/ 434.
[15] سبيل النجاة والفكاك ص44.