الصفحة 5 من 13

قال الله تعالى في كتابه مبينًا أن لحكم له وحده سبحانه وتعالى، قال تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحدًا} [الكهف: 26] ، وقال: {إن الحكم إلا لله} [الأنعام: 57] .

وقد بين الله تعالى أن التحاكم إليه عبادة، قال تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم} [يوسف: 40] .

قال الشنقيطي رحمه الله على قوله: {ولا يشرك في حكمه أحدًا} : (لا يشرك الله جل وعلا أحدًا في حكمه، بل الحكم له وحده جل وعلا، لا حكم لغيره البتة، فالحلال ما أحله الله تعالى، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والقضاء ما قضاه) [16] أهـ.

وقال الطبري رحمه الله على هذه الآية: (ولا يجعل الله في قضائه وحكمه في خلقه أحدًا سواه شريكًا، بل هو المنفرد بالحكم والقضاء فيهم، وتدبيرهم وتصريفهم فيما شاء وأحب) [17] أهـ.

واعلم أن التشريع حق لله جل وعلا، قال الله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] ، وقال تعالى: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} [الجاثية: 18] ، وقال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [التوبة: 31] .

قال البغوي رحمه الله تعالى على هذه الآية: (معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله واستحلوا ما أحلوا وحرموا ما حرموا، فاتخذوهم كالأرباب، روي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي:"يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك"، فطرحته فلما انتهيت إليه وهو يقرأ {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} ، حتى فرغ منها، قلت: إنا لسنا نعبدهم! فقال:"أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟"، قال: قلت: بلى، قال:"فتلك عبادتهم") [18] أهـ.

واعلم أن الله لا معقب لحكمه ولا يرده أحدًا سبحانه وتعالى، قال تعالى: {والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب} [الرعد: 41] .

قال الطبري رحمه الله على هذه الآية: (والله هو الذي يحكم فينفذ حكمه، ويقضي فيمضي بقاؤه) أهـ.

وقال البغوي رحمه الله تعالى عليها: (لا راد لقضائه ولا ناقض لحكمه) أهـ.

واعلم؛ أنه لا يجوز أن نتعدى أوامر الله ونواهيه بل يجب علينا أن نقف عند حدوده سبحانه التي حدها لنا، قال تعالى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} [البقرة: 229] .

قال الطبري رحمه الله على هذه الآية: (تلك معالم فصوله بين ما أحل لكم وما حرم عليكم أيها الناس، فلا تعتدوا ما أحل لكم من الأمور التي بينها وفصلها لكم من الحلال، إلى ما حرم عليكم، فتجاوزوا طاعته إلى معصيته) أهـ.

وقال تعالى: {ومن يعص الله ورسوله ويتعدى حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين} [النساء: 14] ، وقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] .

قال الطبري رحمه الله على هذه الآية: (الفتنة هاهنا: الكفر ... {أو يصيبهم عذاب أليم} ؛ أو يصيبهم في عاجل الدنيا عذاب من الله موجع على صنيعهم ذلك، وخلافهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم) أهـ.

وقال ابن كثير على هذه الآية: (أن تصيبهم فتنة: أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة، {أو يصيبهم عذاب أليم} ؛ أي في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك) أهـ.

ثم اعلم أن الله سبحانه وتعالى أمرنا عند الاختلاف والتنازع أن نرجع إلى الله وإلى حكمه، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعال: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10] ، وقال تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقومٍ يوقنون} [المائدة: 50] .

هكذا أمرنا الله سبحانه أن نرجع عند الاختلاف والتنازع إلى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يأمرنا أن نرجع إلى"هيئة الأمم الملحدة"، أو قوانينها الوضعية من"مجلس الأمن"، أو محكمة الظلم المسماة زورًا وبهتانًا"محكمة العدل"، أو إلى الدساتير الفرنسية أو البريطانية الني تحاد الله ورسوله، وتنازع الله في ألوهيته، حيث تريد أن تفرض على الناس أحكامًا يرجعون إليها عند النزاع، ويتحاكمون إليها عند الاختلاف فهي بهذا الفعل تريد أن تكون آلهة تعبد من دون الله، وأنى لهم ذلك، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا} [النساء: 65] .

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل، ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه، ولم يكتف منهم أيضًا بذلك حتى يسلموا تسليمًا وينقادوا انقيادًا) [19] أهـ.

هكذا يريد الله سبحانه منا لا أن نتحاكم إلى"مجلس الأمن"، أو"محكمة العدل الدولية"، أو"النظام العالمي"، أو غيرها من الطواغيت التابعة للطاغوت الأكبر"هيئة الأمم المتحدة"، بل الأولى أن نسميها الملحدة.

بقي أن نعرف ما هي قوانين هذه الهيئة الطاغوتية لكي نكون على بصيرة من أمرنا، ونعرف ما هو طاغوت زماننا الذي يجب أن نتبرأ منه، لأن هذا الأمر نصف التوحيد، وهو الكفر بالطاغوت، والنصف الآخر هو الإيمان بالله.

فيجب علينا أن نعرف هذا الطاغوت وأنظمته وقوانينه المخالفة لدين الله، لكي نتمم توحيدنا ونعرف عدونا.

وقد يكون هناك طواغيت أخرى تعبد من دون الله في هذا الوقت.

مثل الشيطان، كما قال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} [يس: 60] .

أو الهوى، كما قال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم} [الجاثية: 23] .

أو الساحر، أو الكاهن، أو الوطن والوطنية، أو القومية، أو الشعب عندما يكون مصدر للسلطة، أو التشريع، أو المجالس النيابية أو البرلمانية التي تجعل الشريعة مصدر احتياطي.

وكل دعوى غير دعوى الإسلام فهي دعوى جاهلية، وكل رابطة غير رابطة الإسلام فهي جاهلية، وكل ما عبد من صنم، أو حجر، أو قبر، أو صورة، أو صليب، كل هذه طواغيت تعبد من دون الله، وقد توجد في هذا العصر.

ولكن الأولى منها والأهم هو كبير الطواغيت؛"هيئة الأمم المتحدة"، فهي موضوعنا هنا.

[16] أضواء البيان 4/ 65.

[17] تفسير الطبري 8/ 212.

[18] تفسير البغوي 2/ 241.

[19] إعلام الموقعين 1/ 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت