الصفحة 18 من 128

جملة الصحابة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسلمت على ما سلف لك من خير» ، وكلهم عدول فاضل من أهل الجنة ...

ثم ذكر بعض الأدلة على ذلك، ثم قال: وقد قال قوم: إنه لا يكون صاحبًا من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة، لكن من تكررت صحبته.

قال أبو محمد: وهذا خطأ بيقين؛ لأنه قول بلا برهان، ثم نسأل قائله عن حد التكرار الذي ذكر، وعن مدة الزمان الذي اشترط، فإن حدَّ في ذلك حدًا كان زائدًا في التحكم بالباطل، وإن لم يحد في ذلك حدًا كان قائلًا بما لا علم له به، وكفى بهذا ضلالًا.

وبرهان بطلانه قوله أيضًا: إن اسم الصحبة في اللغة إنما هو لمن ضمته مع آخر حالة ما، فإنه قد صحبه فيها، فلما كان من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو غير منابذ له ولا جاحد لنبوته قد صحبه في ذلك الوقت، وجب أن يسمى صاحبًا. اهـ.

وقال محمد بن إبراهيم الوزير في «العواصم والقواصم» (1/ 389) : الصحبة تطلق كثيرًا في الشيئين إذا كان بينهما ملابسة، سواءً كانت كثيرة أو قليلة، حقيقية أو مجازية، وهذه المقدمة تُبين بما ترى من ذلك في كلام الله ورسوله، وما أجمع العلماء عليه من العبارات في هذا المعنى.

أما القرآن، فقال الله تعالى: {قال لصاحبه وهو يحاوره} [الكهف:34] فقضى بالصحبة مع الاختلاف في الإسلام الموجب للعداوة لما جرى بينهما من ملابسة الخطاب للتقدم، وقد أجمعت الأُمة على اعتبار الإسلام في اسم الصحابي، فلا يُسمّى من لم يسلم صحابيًا إجماعًا، وقد ثبت بالقرآن أن الله سمّى الكافر صاحبًا للمسلم، فيجب أن يكون اسم الصحابي عرفيًا، وإذا كان عرفيًا اصطلاحيًا كان لكل طائفة أن تصطلح على اسم كما سيأتي تحقيقه.

قال تعالى: {والصاحب بالجنب} [النساء:36] وهو المرافق في السفر، ولا شك أنه يدخل في هذه الآية الملازم وغيره، ولو صحب الإنسان رجلًا ساعة من نهار وسايره في بعض الأسفار لدخل في ذلك؛ لأنه يصدُق عليه أن يقول: صحبت فلانًا في سفري ساعة من النهار؛ ولأن من قال ذلك لم يردّ عليه أهل اللغة ويستهجنوا كلامه.

وأما السنة فكثير غير قليل، ومن أوضحها ما ورد في الحديث الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: «إنكن صواحب يوسف» ، فانظر أيها المنصف ما أبعد هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت