الصفحة 19 من 128

السبب الذي سُمّيت به النساء صواحب يوسف، وكيف يستنكر مع هذا أن يسمى من آمن برسول الله ووصل إليه وتشرَّف برؤية غرّته الكريمة صاحبًا له؟! ومن أنكر على من سمّى هذا صاحبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلينكر على رسول الله حيث سمّى النساء كُلهُنَّ صواحب يوسف.

ومن ذلك الحديث الذي أُشير فيه على النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل عبد الله بن أُبيّ - رأس المنافقين - فقال عليه السلام: «إني أكره أن يُقال: إن محمدًا يقتل أصحابه» ، فسماه صاحبًا - مع العلم بالنفاق- للملابسة الظاهرة، مع العلم بكفره الذي يقتضي العداوة، ويمحو اسم الصحبة في الحقيقة العرفية.

ومما يدل على التوسع الكثير في اسم الصحبة إطلاقها بين العقلاء وبين الجمادات، كقوله تعالى: {يا صاحبي السجن} [يوسف: 39] ، ومثل تسمية ابن مسعود: صاحب السواد، وصاحب النعلين والوسادة.

وأما الإجماع فلا خلاف بين الناس أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لاقى المشركين في الحرب، فقُتِل من عسكر النبي صلى الله عليه وسلم جماعة، ومن المشركين جماعة، أن يُقال: قُتِل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، ومن المشركين كذا وكذا، وبذا جرى عمل المؤرخين والإخباريين يقولون في أيام صفين: قُتِل من أصحاب علي كذا، ومن أصحاب معاوية كذا، ولا يعنون بأصحاب علي من لازمه وأطال صحبته، بل من قاتل معه شهرًا أو يومًا أو ساعة، وهذا شيء ظاهر لا يستحق من قال بمثله الإنكار [1] .

ومن ذلك أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة ... يقال هذا لمن لم ير الشافعي ولا يصحبه قليلًا ولا كثيرًا؛ لملابسة ملازمة المذهب، ولو دخل في مذهب الشافعي في وقت لقيل له في ذلك الوقت: قد صار من أصحابه من غير إطالة ولا ملازمة للقول بمذهبه.

وكذا تسميته عليه السلام: «صاحب الشفاعة» قبل أن يشفع، هذه ملابسة بعيدة.

وكذا أصحاب الجنة قبل دخولها وأمثال ذلك، وكذلك سائر هذه الأشياء مما أجمع على صحته، كل هذا دليل على أن اسم الصحبة يطلق كثيرًا مع أدنى ملابسة والأمر في هذا واسع. اهـ.

(1) المقصود بذلك: علي بن محمد بن أبي القاسم الذي أنكر على أهل الحديث ذهابهم إلى هذا القول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت