فهرس الكتاب
نقلت هذه النصوص على طولها لأن فيها ردًا واضحًا على من اشترط في الصحبة طول الملازمة.
فتبين مما تقدم أن كثيرًا من أهل الأصول يذهب إلى قول الجمهور في الصحابة، ولذلك قال العراقي في «التقييد والإيضاح» (ص: 256) - متعقبًا قول أبي المظفر السمعاني أن طريقة الأصوليين يشترطون في الصحابي طول الصحبة وكثرة المجالسة - قال: إن ما حكاه عن الأصوليين هو قول بعض أئمتهم، والذي حكاه الآمدي عن أكثر أصحابنا أن الصحابي من رآه، وقال: إنه الأشبه، واختاره ابن الحاجب. اهـ. ثم ذكر بعض من يذهب إلى قول الأصوليين.
وينظر أيضًا: «الواضح في أصول الفقه» لابن عقيل (5/ 59 ـ 64) ، و «الروضة» لابن قدامة (ص: 119) ، و «شرح مختصر الروضة» للطوفي (2/ 185 - 187) ، و «إرشاد الفحول» (ص: 70) ، و «مذكرة الأصول» للشنقيطي (ص: 124، 125) .
وقال بعضهم: إن الممدوح من الصحابة هو من كان من أهل الجهاد والإنفاق دون غيره.
فأقول: هذا قول مخترع، وقد قال الله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: 95] .
فهذه الآية الكريمة فيها إبطال لهذا القول، وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: «لاتسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» .
ولذلك قال ابن عمر: لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره [1] .
وأما ما رواه [2] محمد بن سعد عن علي بن محمد عن شعبة عن موسى السنبلاني: أتيت أنس بن مالك فقلت: إنك آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: قد بقي قوم من الأعراب، فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي.
(1) أخرجه أحمد في «الفضائل» (15، 20) وابن ماجه (162) وابن أبي عاصم في «السنة» (1040) كلهم من طريق الثوري عن نسير بن ذعلوق قال: سمعت ابن عمر، وإسناده صحيح.
(2) كما في «تهذيب الكمال» (1/ 295) .