وأما ما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم في الجمل: فالأمر فيهم أوضح، وأبين مما جرى في صفين، وذلك أن الزبير وطلحة رضي الله عنهما من العشرة المبشرين بالجنة، وعائشة هي أم المؤمنين وحبيبة رسول رب العالمين، وهم لم يخرجوا لطلب الملك أو المشاقة لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وإنما خرجوا من أجل المطالبة بدم عثمان رضي الله عنه، والإصلاح بين الناس.
أخرج الإمام أحمد في «المسند» (6/ 97) : ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أن عائشة لما أتت على الحوأب سمعت نباح كلاب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: «أيتكن تنبح عليها الكلاب الحوأب» ، فقال لها الزبير: ترجعين! عسى الله أن يصلح بك الناس.
وأخرجه أحمد (6/ 52) : ثنا يحيى عن إسماعيل به، ولفظه: فقالت: ما أظنني إلا أني راجعة، فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون، فيصلح الله عز وجل ذات بينهم.
وهذا إسناد صحيح، وقال ابن كثير في «البداية» (9/ 187) عن الإسناد الأول: على شرط الشيخين، ولم يخرجوه.
ولذلك قال أبو محمد ابن حزم في «الفصل» (4/ 158) عن الذين خرجوا إلى البصرة، وهم من تقدم: قد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها، أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي، ولا خلافًا عليه، ولا نقضًا لبيعته، ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته، هذا ما لا يشك فيه أحد ولا ينكره أحد، فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ظلمًا، وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا، فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراغة والتدبير عليهم، فبينوا [1] عسكر طلحة والزبير وبذلوا السيف فيهم، فدافع القوم عن أنفسهم في دعوى حتى خالطوا عسكر علي فدفع أهله عن أنفسهم، وكل طائفة تظن ولا شك أن الأخرى بُدئ بها بالقتال، واختلط الأمر اختلاطًا لم يقدر أحد على أكثر من الدفاع عن نفسه، والفسقة من قتلة عثمان لا يفترون من شن الحرب وإضرامه، فكلتا الطائفتين مصيبة في غرضها ومقصدها مدافعة عن نفسها، ورجع الزبير وترك الحرب بحالها، وأتى طلحة سهم غاير وهو قائم لا يدري حقيقة ذلك الاختلاط، فصادف جرحًا في ساقه كان أصابه يوم أحد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف، ومات من وقته رضي الله عنه، وقتل الزبير رضي الله عنه بوادي السباع على أقل من يوم من البصرة، فهكذا كان الأمر ا. هـ.
(1) هكذا وهو تطبيع، والصواب: (فبيتوا) .