فهرس الكتاب
- 📄
وفي قول شيخ الإسلام (نقر بألسنتنا بالشهادتين) دليل على أنهم لم يجحدوا الإقرار، لكنهم نقضوا التزامه، كما أنهم لم يجحدوا الوجوب، وذلك بقولهم (نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك) .
كما أنه روي عن الإمام عبد الله بن الإمام أحمد أنه قال: (حدثنا سويد بن سعيد الهروي، قال: سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء فقال: يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرا بقلبه على ترك الفرائض،(وجعلوه) [1] ذنبا بمنزلة ركوب المحارم وليسا سواء، لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية وترك الفرائض متعمدا من غير جهل ولا عذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس وعلماء اليهود.
أما آدم فنهاه عن أكل الشجرة وحرمها عليه، فأكل منها متعمدا ليكون ملكا أو يكون من الخالدين، فسمي عاصيا من غير كفر. وأما إبليس فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدا فسمي كافرا.
وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نبي رسول، كما يعرفون أبناءهم، وأقروا به باللسان، ولم يتبعوا شرائعه، فسماهم كفارا، فركوب المحارم مثل ذنب آدم وغيره من الأنبياء، و (تركها) [2] على معرفة من غير جحود فهو مثل كفر علماء اليهود) [3] . وانظر إلى ما قاله عن إبليس: (فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدا فسمي كافرا) ، فإنه ما أنكر نفس الأمر ولا أن الله قد أوجبه، وإنما اعترض عليه واستكبر وأبى أن يمتثل لأمر الله أو يستسلم له، وهو ما لم يدركه متأخروا الفقهاء وكثير من المعاصرين عندما حصروا الجحود في الإنكار. وابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر أنواع الكفر بقوله: (وأما الكفر الأكبر فخمسة أنواع: كفر تكذيب، وكفر استكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شك وكفر نفاق) [4] قال: (وأما كفر الإباء والإستكبار فنحو كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والإستكبار) [5] .
وتأمل فيما قاله ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44] ،قال: ( ... قيل إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون) [6] ، فانظر كيف قرن بين الجحود [7] والترك في قوله (بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه) ، ثم إنه قبل هذا بقليل
(1) زيادة يقتضيها الكلام. (انظر ظاهرة الإرجاء 2/ 706،704) .
(2) السابق.
(3) السابق (2/ 706،704) .
(4) مدارج السالكين (1/ 337) .
(5) السابق.
(6) تفسير الطبري (4/ 597) .
(7) الجحود هنا متعلق بالأمر فيكون بمعنى الترك ...