الصفحة 22 من 46

قال: (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، يقول: (هؤلاء الذين لم يحكموا بما أنزل الله في كتابه، ولكن بدلوا وغيروا حكمه وكتموا الحق الذي أنزله في كتابه) [1] ، وقارن بين قوله السابق (فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون) ، وقوله (ولكن بدلوا وغيروا حكمه) ، لترى أن جحودهم كان بتركهم حكم الله، وتبديله وتغييره، ولتعلم أن مناط تكفيرهم وجحدهم ليس هو إنكارهم للحكم الشرعي فقط، وإنما هو تركهم حكم الله وتبديلهم وتغييرهم لشرع الله.

وانظر أيضا إلى ما قاله الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ) [المائدة: 43] . قال: (يعني تعالى ذكره: كيف يحكمك هؤلاء اليهود يا محمد بينهم، فيرضون بك حكما بينهم، وعندهم التوراة التي أنزلتها على موسى، التي يقرون بها أنها حق -إلى أن قال- يعلمون ذلك لا يتناكرونه ولا يتدافعونه ويعلمون أن حكمي فيها على الزاني المحصن الرجم، وهم مع علمهم بذلك يتولون، يقول: يتركون الحكم به بعد العلم بحكمي فيه جراءة علي وعصيانا لي -إلى أن قال- وأصل التولي عن الشيء: الإنصراف عنه كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، ثني: حجاج عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير(يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ) قال: توليهم: ما تركوا من كتاب الله) [2] .

وتأمل فيما قاله ابن جرير رحمه الله: (يقرون بها أنها حق( ... ) يعلمون ذلك لا يتناكرونه ( ... ) توليهم: ما تركوا من كتاب الله)، فهم كانوا يقرون بحكم الله ولا ينكرونه، لكنهم تركوه، وما داموا كذلك فهم جاحدون، فعلم أن مناط كفرهم هو تركهم لحكم الله أي جحودهم وليس إنكارهم، قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) [النمل: 14] ، فكيف يقول صاحب (الجامع) : (وهذا الكلام يبين بجلاء أن مناط التكفير في آية المائدة هو مجرد ترك الحكم بما أنزل الله لا جحده) [3] ، ثم يقول: (لأن الجحد هو التكذيب الظاهر باللسان) [4] ، أي (إنكار الشخص للشيء مع علمه به) ، وهو يرى أن ابن جرير الطبري رحمه الله يقول: (يعلمون ذلك لا يتناكرونه) .

أما في بيان حقيقة أهل السنة: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) ، فالمقصود بالذنب هنا، الذنب غير المكفر كالزنا وشرب الخمر، والذي هو ما دون الكفر، وذلك بدليل قولهم: (من أهل القبلة) ، والمراد بهم الذين لم يقترفوا من الذنوب المكفرة ما أخرجهم عن انتسابهم لأهل القبلة، ويدل عليه كذلك ما يعبرون عنه أحيانا بصيغة مماثلة (ولا نكفر مسلما بذنب ما لم يستحله) .

ذلك أن كفره هنا يكون بالإستحلال بالذنب، والدليل على ذلك موقف الصحابة من قدامة بن مظعون عندما شر الخمر متأولا قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا

(1) السابق (4/ 592) .

(2) السابق (6/ 248،247) .

(3) الجامع (2/ 864) .

(4) السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت