الصفحة 10 من 25

فإنه لا يخفى عليك أيها الأخ الحبيب أن الخوارج الأُوَل قد خرجوا على حين خلافٍ بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وبين أم المؤمنين عائشة ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين، وكيف أنهم جيشوا الفتنة في ذلك الوقت للدعوة إلى باطلهم وغيّهم.

ولقد أبى خوارج العصر الاّ أن يكونوا كمثل سلفهم الغابر المارق تحقيقًا وتصديقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، فإنه وللأسف لما وقع الخلاف بين الإخوة في عدة مناطق وحصلت الفرقة بينهم أطلّت روؤس الغلاة الحاقدين لاستغلال الخلاف لنشر زبالتهم، فكلما خبت نيران الفتنة أضرموا لهيبها من جديد، ولقد نجحوا في ذلك لسببين:

السبب الأول: هو فشلنا نحن وذهاب ريحنا بالتنازع فيما بيننا والريح هي القوّة كما فسرها ابن عباس رضي الله عنهما، وضدها الضعف، فنحن ضعفنا وفشلنا بالخلاف، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِ يحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِر ِينَ} [سورة الأنفال، الآية:46] .

والسبب الثاني: أن بعض الأفراد من الذين لم يكن نزاعهم لله وفي الله لم ينصاعوا لما قضى به بعض الإخوة من طلبة العلم الذين لا نشك بعلمهم ودينهم وخاصةً أن هؤلاء هم الذين اختاروهم ليقضوا في دعواهم، ولكن لما كان الحكم مخالفًا لهواهم طعنوا فيه وردّوه، وليتهم سكتوا عند ذلك بل بلغ بهم الظلم والجهل أن يطعنوا في عدالة من اختاروه بأنفسهم بدايةً فكان هؤلاء الطاعنون في خيار الإخوة خير مطية لخوارج العصر، ونجحوا في استغلالهم في نشر زبالة أهوائهم، قال الإمام الشاطبي رحمه الله:"كل من ابتدع في دين الله فهو ذليل حقير بسبب بدعته وإن ظهر لبادئ الأمر في عزّه و جبروته، فهم في أنفسهم أذلاء، ألا ترى أحوال المبتدعة في زمان التابعين، وفيما بعد ذلك؟! حتى تلبسوا بالسلاطين ولاذوا بأهل الأرض، ومن لم يقدر على ذلك استخفى ببدعته، و هرب بها عن مخالطة الجمهور" [[1] ].انتهى كلامه رحمه الله.

رسل الفساد وما حلوا وما رحلوا ... إلا وكانوا به أعدى من الجرب

ألفاظهم عرب والفعل مختلفٌ ... وكم حوى اللفظ من زورٍ ومن كذب

إن الإسلام ثوبُ يخدعون به ... وهم يرومون طعن الدين والعرب

واحسرتى على قومي غرهم قرمٌ ... سعى إليهم بجلد المنقذ الحدب

حتى إذا أمكنته فرصةٌ برزت ... حمر المخالب بين الشك والعجب

والمدعون هوى الإسلام سيفهمُ ... مع الأعادي على أبنائه النجب

يخادعون به أو يتقون به ... وما له رفد منهم سوى الخطب

ففرح هؤلاء بطعن الخوارج في إخواننا فوافقوهم وحصلت الألفة، نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ونسأل الله الثبات على ما يحب ويرضى، يقول الإمام اللالكائي:"فصاروا أقرانا وأخدانا، وعلى المداهنة خلانا وإخوانا، بعد أن كانوا في الله أعداء وأضدادا، وفي الهجرة في الله أعوانا، يكفر ونهم في وجوههم عيانا، ويلعنونهم جهارا، وشتان ما بين المنزلتين، وهيهات ما بين المقامين. نسأل الله أن يحفظنا من الفتنة في أدياننا، وأن يمسّكنا بالإسلام والسنة ويعصمنا بهما بفضله ورحمته. [[2] ]"

(1) الإعتصام للشاطبي (1/ 126)

(2) شرح أصول الإعتقاد (1/ 28)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت