الصفحة 3 من 25

قال الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِ ينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} [سورة البقرة، الآية: 213] .

قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الحمد لله الذي امتن على العباد بأن يجعل في كل زمان فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويحيون بكتاب الله أهل العمى، كم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وضالٍ تائه قد هدوه، بذلوا دماءهم وأموالهم دون هلكة العباد، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، يقتلونهم في سالف الدهر إلى يومنا هذا بالحدود ونحوها، فما نسيهم ربك {وما كان ربك نسيا} [سورة مريم، الآية:64] .

جعل قصصهم هدى، وأخبر عن حسن مقالتهم، فلا تقصر عنهم؛ فإنهم في منزلة رفيعة، وإن أصابتهم الوضيعة. [[1] ]

وعن عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط قال: قال عبد الله بن مسعود: إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليًا من أوليائه يذب عنها، وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن، وتوكلوا على الله؛ قال ابن المبارك: وكفى بالله وكيلا [[2] ].

الحمد لله الذي يهدي من يشاء من عباده إلى صراطٍ مستقيم ثم يستعملهم للذب عن حياض دينه العظيم ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فإنهم ومنذ الأزل سيوف الحق في حلوق من تنكب عن الطريق القويم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لاتزال طائفةٌ من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس) متفق عليه.

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد الرجال الذي أدّى الأمانة على وجه الكمال ونصح الأمة في كل حال فتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ولا يتنكبها إلاّ ضال، وعلى آله وصحبه أجمعين و على من اتبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن الناظر إلى حال الأمة في هذه الأيام لا يخفى عليه أن فتن البدع قد ماجت بها موج البحر تقذف بها على شواطيء المهالك، وأن جهنم قد فتحت أبوابها وأخذ دعاة الضلال أماكنهم على أعتابها يقذفون من استجاب لهم في لظى نيرانها، والمعصوم من عصمه الحيُّ القيّوم برحمته ومنّه وكرمه. يقول الإمام إبن بطة رحمه الله تعالى:"والناس في زماننا هذا أسراب كالطير، يتبع بعضهم بعضا لو ظهر لهم من يدعي النبوة مع علمهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، أو من يدعي الربوبية، لوجد على ذلك أتباعا وأشياعا". [[3] ]، وقال رحمه الله:"فمن طلب السلامة لدينه في وقتنا هذا مع الناس عدمها، ومن أحب أن يلتمس معيشة على حكم الكتاب والسنة فقدها، وكثر خصماؤه وأعداؤه ومخالفوه ومبغضوه فيها، فالله المستعان فما أشد تعذر السلامة في الدين في هذا الزمان، فطرقات الحق خالية مقفرة موحشة قد عدم سالكوها واندفنت محاجها، وتهدمت صواياها وأعلامها، وفقد أدلاؤها وهداتها، قد وقفت شياطين الإنس والجن على فجاجها وسبلها تتخطف الناس عنها، فالله المستعان، فليس يعرف هذا الأمر ويهمه إلا رجل عاقل مميز، قد أدبه العلم وشرح الله صدره بالإيمان [[4] ]."

لعمري هذا قول أحد أئمة أول قرن تلا القرون الثلاثة المفضلة التي لم تكن قواعد الإسلام فيها قد اندرست ولا أصول التوحيد فيها قد التبست وزمانٌ ضُحِّيَ فيه بأهل البدع لم تكن أيامه عنهم ببعيد قد طويت، ألا ليت شعري لو أن الشيخ أبصرحالنا في زمن ٍ أصبح للباطل فيه شوكة ودولة، ولأوليائه على أهل الحق صولةٌ وجولة فماذا سيكون قول الشيخ، أتراه لا يكبر علينا أربعًا؟

ذهب الرجال المقتدى بفِعالهم ... والمنكرون لكل أمرٍ مُنكَرِ

ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب

(1) البدع لابن وضاح (ص4)

(2) البدع لابن وضاح (ص4)

(3) الإبانة الكبرى لإبن بطة (1/ 65)

(4) الإبانة الكبرى (1/ 214)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت