الصفحة 24 من 25

وكلمة أخيرة قبل أن نطوي هذه الرسالة أنصح بها الإخوة الذين يدافعون عن أهل الباطل بدعوى جمع الصف، ونبذ الخلاف، وأن فيهم خير .. إلى غير ذلك من تراهات، فأقول:

إن الصراع قائمٌ بين الحق والباطل منذ أن خلق الله آدم عليه الصلاة والسلام ولا يزال أهل الحق يتوارثون الحق كابر عن كابرٍ، يتواصون به، ويبذلون الغالي والنفيس في الدفاع عنه، ويصبرون بل ويتلذذون بما أصابهم فيه من أذى، ابتغاء وجه الله ونيل رضاه، فكل الناس خاسرون، وهم في الربح يتنعمون، قال الله: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [سورة العصر] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله وأين هم، قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس) [[1] ].

وكذلك أهل الباطل، فهم أيضًا يتوارثون باطلهم صاغر عن صاغر، يتواصون به، وينافحون عنه، قال الله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [سورة الأنعام، الآية112 - 113] .وقال تعالى {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) } [سورة الذاريات، الآية:52، 53] .

فالحق والباطل ضدان لا يجتمعان ما دامت السماوات والأرض لا في صف ولا في غيره، ومن يسعى لتحقيق ذلك فإنّما يسعى وراء السراب؛ قيل للأوزاعي: إن رجلا يقول: أنا أجالس أهل السنة، وأجالس أهل البدع، فقال الأوزاعي:"هذا رجل يريد أن يساوي بين الحق والباطل". قال الإمام ابن بطة معلقًا على كلام الأوزاعي رحمه الله تعالى:"صدق الأوزاعي، أقول: إن هذا رجل لا يعرف الحق من الباطل، ولا الكفر من الإيمان، وفي مثل هذا نزل القرآن، ووردت السنة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [سورة البقرة، آية:14] ".انتهى [[2] ].

فباستشهاد الشيخ بهذه الآية يتبين لك رحمك الله أن الذي يسعى للجمع بين الحق والباطل فقد شابه المنافقين، فتنبه.

وأما نبذ الخلاف؛ فنحن أول النابذين له لو أن الخلاف كان على أمرٍ دنيوي أو أمرٍ شخصي، ولكن ولما كان الخلاف في الدين فإننا نتقرب إلى الله بمخالفة من خالف دينه وننبذ من نبذ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالخلاف مع هؤلاء سنة الله الماضية قال الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [سورة هود، الآية:116 - 119]

(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (5/ 22676)

(2) الإبانة (1/ 146)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت