الصفحة 9 من 25

اعلم رحمك الله أن هذه الرسالة وإن كانت في هجر أهل البدع عامة، إلا أننا نخص الكلام عن الغلاة فيها لأسباب عدة، منها:

أولًا:

أن عامة أهل البدع في بلادنا هم على دين الإرجاء وإن اختلفت أسماء جماعاتهم وأحزابهم، كأدعياء السلفية، وجماعة الإخوان المسلمين، وجماعة التبليغ، وحزب التحرير، والأشاعرة، وغيرهم ممن جفى وفرّط في مسمى الإيمان والكفر، علموا ذلك أو جهلوه، إلاّ أن الكثير من أهل العلم قد تصدى لبيان مزالق المرجئة وفساد مناهجهم حتى أضحت عيوبهم واضحةً جليةً، وخاصةً للإخوة فلا تكاد تجد أخًا إلاّ وقد علم فساد مذاهبهم ولو بالإجمال، وذمهم في كل مجلس، وهجرهم وبارزهم بالعداء والبراء، فلله الحمد والمنة.

وهناك القليل من الإخوة ممن يحضر مجالس المرجئة التماسًا للعلم لشح هذه المجالس بين الإخوة وربما لانعدامها، مع مخالفتنا لذلك!.

ثانيًا:

ما أسلفنا في الرد على من يقول أن فيهم خير-أي الغلاة-، وأنقل هنا كلامًا للشيخ بشر البشر حفظه الله تعالى في محاضرة له بعنوان (الأمة بين الغلو والإرجاء) قال:"قد يقول سائل لماذا كثرت الأحاديث في ذم الخوارج والتحذير منهم ولم يأت مثل ذلك في المرجئة، والجواب: نعم الخوارج جاء فيهم أحاديث كثيرة جدًا والسبب أن أمر الخوارج يلتبس؛ فهم أهل تعبد، تحقرون صلاتكم عند صلاتهم وصيامكم عند صيامهم ويتهجدون في الليل ويقاتلون في النهار، وإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم نص على أن قتالهم ضد المسلمين والعياذ بالله، فأمرهم يلتبس على الأغرار ولذلك شبههم النبي صلى الله عليه وسلم بتشبيه دقيق فقال: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) الرمية يعني الصيد، الرمية بمعنى المرمية بمعنى أنه يمرق كأنه ليس فيه شيء من الدم من شدة الخفاء، فإذا رآهم الناس قالوا هؤلاء قومٌ متعبدون وهم أولياءٌ صالحون، وهم من أعظم الناس شرا ..."إلى أن قال:"إذًا نظرًا لشدة التباس مذهب الخوارج ولخطورته من حيث الناس قد ينخدعون به وينغرّون حذّر منهم النبي صلى الله عليه وسلم تحذيرًا بليغًا".انتهى كلامه حفظه الله.

ثالثًا:

أن الغلاة قد وافقوا أهل السنة والجماعة في بعض مسائل التكفير، مما أفضى إلى استدراجهم لبعض الإخوة بهذه الموافقة فدسّوا لهم السمّ في الدسم، و لبسوا عليهم الكثير من مسائل التكفير وأحكامه، ولعدم إطّلاع بعض الإخوة على ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة فإنهم قد قلدوا القوم دينهم في هذا الباب، فمنهم من بات يرى أن الأصل في الناس الكفر، ومنهم من حمل منهج التوقف، ومنهم من هجر المساجد كلها بدعوى أن المساجد مساجد ضرار! إلى غير ذلك مما يدمى له القلب ويندى له الجبين.

فلذلك وجب الإستدراك على ضلالهم بالتحذير منهم على وجه الخصوص.

رابعًا:

وربما يكون هذا السبب من أهم الأسباب في كتابة هذه الرسالة، فنقول:

أخرج الشيخان في صحيحيهما من طريق أبي سعيد الخدري أنه قال: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما، أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال يا رسول الله اعدل فقال ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال عمر يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته) .

فاعلم رحمك الله أنه جاء في وصف الخوارج أحاديثٌ كثيرة قد سقنا بعضها آنفًا، ولكن في هذا الحديث دلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على آية من آياتهم-سلفًا وخلفًا-غفل عنها كثيرٌ من الإخوة فاستغلّها القوم أيما استغلال، وهي قوله صلى الله عليه وسلم (يخرجون على حين فرقة من الناس) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت