منذ قرابة الثلاثة سنين قلنا لبعض الإخوة من الذين أصروا على مجالسة الغلاة بعد أن تبيّن لنا ولهم ما هم فيه من غُلُوٍّ وضلال، أننا سنهجرهم إذا لم يهجروا الغلاة، فاشتد النكير علينا لذلك بل إن أحد الإخوة قد جاءني مرة وقال لي: لقد بلغني أنك وفلان قد قلتم لبعض الإخوة أنكم ستهجرونهم إذا لم يهجروا الغلاة، أصحيحٌ هذا؟، فقلت له: نعم، قال: يا أخي اتق الله في نفسك، والله لقد تجاوزتم حدّكم، إن هذا لا يحق لكم. وهذا الأخ هو نفس الأخ الذي قال لنا أن القوم تراجعوا عن قولهم في أن الأصل في الناس الكفر وأنهم يقولون الآن أن الناس مسلمون ولكنهم ليسوا بموحدين، ولقد ذكرنا لك أيها القاريء تكذيبهم لهذا الأخ وأنهم لم يتراجعوا، ولمّا علم هذا الأخ عن تكذيبهم له استشاط غضبًا عليهم وأخذ يتهدد ويتوعّد، وسبحان الله أَقَوْلُهُم أنك كاذب أعظم عندك من قولهم على الله ورسوله الكذب؟؟ فإنهم لمّا افتروا على ديننا ومنهجنا وشريعتنا لم يتمعر وجهك ولم تغضب غضبك الذي غضبته لنفسك بل إن وجهك اكفهرّ في وجوهنا!! غفر الله لنا ولك. فوالله أننا لم نأت بقول جديد مخترع ولم ندع لعمل محدث مبتدع و إن لنا فيما قلناه من كلام خير البرية أسوة، ومن أفعال أصحابه وأتباعه من أهل أفضل القرون قدوة، فنقول مستعينين بالله العظيم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالط) وقال مؤمل (من يخالل) . [[1] ]
هذه شهادة من لا ينطق عن الهوى بأبي هو وأمي والناس أجمعين على أن الإنسان معتبرٌ بأخدانه وأخلاّ ئه وخلطائه وأن حكمه حكمهم. فمجالسة أهل الأهواء باختيار لا تكون إلاّعن ائتلاف لا عن اختلاف، ومن زعم غير هذا فهو جاهل جهلًا مركبًا؛
قال أبو عبد الرحمن السلمي:"كل إنسان على دين أصحابه فإذا أراد الله بعبد من عبيده خيرا وفقه لمعاشرة أهل السنة وأهل الستر والصلاح والدين، ويرده عن صحبة أهل الهوى والبدع والمخالفين فإنه روي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) ". [[2] ]
وقال صلى الله عليه وسلّم: (الأرواح جنودٌ مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) ". [[3] ]"
قال الفضيل ابن عياض:" (الأرواح جنودٌ مجنَّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) ، ولا يمكن أن يكون صاحب سنة يمالئ صاحب بدعة إلا من النفاق". [[4] ]
وقال الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى:"من استتر عنا ببدعته لم تخفى ألفته". [[5] ]
وقال أبو بكر بن خلاد الباهلي:"سمعت يحيى بن سعيد القطان، يقول لما قدم سفيان الثوري البصرة: جعل ينظر إلى أمر الربيع يعني ابن صبيح، وقدره عند الناس، سأل: أي شيء مذهبه؟ قالوا: ما مذهبه إلا السنة قال: من بطانته؟ قالوا: أهل القدر قال: هو قدري. قال ابن بطة: رحمة الله على سفيان الثوري، لقد نطق بالحكمة، فصدق، وقال بعلم فوافق الكتاب والسنة، وما توجبه الحكمة ويدركه العيان ويعرفه أهل البصيرة والبيان، قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ .. } [سورة آل عمران، الآية:118] . [[6] ]"
إذًا فالرجل يعرف بخدنه وألفته ولو ادعىّ حالًا خلاف حالهم حتى يتبرأ من بدعهم وضلالهم ويهجرهم على ذلك، وإلاّ فهو مبتدع مثلهم وحاله أشد عندنا من حالهم.
قال ابن عون:"من يجالس أهل البدع أشد علينا من أهل البدع". [[7] ]
وإذا كانوا في الحكم سواء، فلا بد أن يكونوا في المعاملة سواء كالهجر والبغض والمصارمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في فرقة من أهل البدع:"ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم، أو ذب عنهم، أو أثنى عليهم، أو عظم كتبهم، أو عُرف بمساعدتهم ومعاونتهم، أو كره الكلام فيهم، أو أخذ يعتذر لهم .." [[8] ]
وعلى هذا مضى سلفنا الصالح.
(1) مسند الإمام أحمد (7685)
(2) آداب الصحبة (ص9)
(3) رواه البخاري برقم (3336)
(4) شرح الإعتقاد (1/ 109)
(5) شرح الإعتقاد (1/ 107)
(6) الإبانة الكبرى لإبن بطة (1/ 144)
(7) الإبانة الكبرى لإبن بطة (1/ 157)
(8) مجموع الفتاوى (2/ 132)