الصفحة 21 من 25

وبعض الإخوة هدانا الله وإياهم يصرّون على مجالسة أهل الأهواء بحجة المناظرة وأنهم ربما يهتدون بسببهم، إلى آخر ما يتذرعون به للجلوس معهم وما علم هؤلاء أن سلفنا الصالح كانوا ينهون عن مخاصمة ومجادلة أهل البدع والأهواء أشد النهي.

قال الإمام اللالكائي رحمه الله تعالى:"فما جني على المسلمين جناية أعظم من مناظرة المبتدعة، ولم يكن لهم قهر ولا ذل أعظم مما تركهم السلف على تلك الجملة يموتون من الغيظ كمدا ودردا، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلا، حتى جاء المغرورون ففتحوا لهم إليها طريقا، وصاروا لهم إلى هلاك الإسلام دليلا، حتى كثرت بينهم المشاجرة، وظهرت دعوتهم بالمناظرة، وطرقت أسماع من لم يكن عرفها من الخاصة والعامة، حتى تقابلت الشبه في الحجج، وبلغوا من التدقيق في اللجج، فصاروا أقرانا وأخدانا، وعلى المداهنة خلانا وإخوانا بعد أن كانوا في الله أعداء وأضدادا وفي الهجرة في الله أعوانا، يكفرونهم في وجوههم عيانا، ويلعنونهم جهارا، وشتان ما بين المنزلتين، وهيهات ما بين المقامين. نسأل الله أن يحفظنا من الفتنة في أدياننا، وأن يمسكنا بالإسلام والسنة، ويعصمنا بهما بفضله ورحمته". [[1] ]

وروى عن علي رضي الله عنه أنه قال:"إياكم والخصومة فإنها تمحق الدين". [[2] ]

وروى أيضًا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال:"من جعل دينه غرضًا (أي هدفًا) للخصومات أكثر الشك (أي في دينه ومنهجه) أو قال يكثر التحول (أي عما يعتقد) ". [[3] ]

وعن سفيان بن عمرو بن قيس قال:"قلت للحكم - يعني ابن عتيبة: ما اضطر الناس إلى هذه الأهواء أن يدخلوا فيها؟ قال: الخصومات". [[4] ]

وعن جعفر بن محمد قال:"إياكم والخصومات في الدين فإنها تشغل القلب، وتورث النفاق". [[5] ]

ولا يفهم من كلامنا هذا أننا لا نجيز مناظرتهم على الإطلاق، كلا، ولكننا نقول أنه ليس لكل أحد أن يخالطهم متذرعًا بالمناظرة، و المناظرة إنما تكون مرة من أجل بيان الحق فإن الحق أبلج وإن الباطل لجلج، ولا بأس بإعادة الكرة إذا احتيج إلى ذلك إذا التمس من يناظرهم صدقهم في البحث عن الحق.

قال سلطان العلماء العز بن عبد السلا م رحمه الله تعالى:"لا يجوز الجدل والمناظرة إلا لإظهار الحق ونصرته ليعرف ويعمل به فمن جادل لذلك فقد أطاع وأصاب ومن جادل لغرض آخر فقد عصى وخاب". [[6] ]

وأخرج ابن بطة في إبانته بسنده عن عمران بن حصين رضي الله عنه وأرضاه قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سمع منكم بخروج الدجال، فلينأ عنه ما استطاع، فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فما يزال به حتى يتبعه لما يرى من الشبهات) قال ابن بطة رحمه الله تعالى:"هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق، فالله الله معشر المسلمين، لا يحملن أحدا منكم حسن ظنه بنفسه، وما عهده من معرفته بصحة مذهبه على المخاطرة بدينه في مجالسة بعض أهل هذه الأهواء، فيقول: أداخله لأناظره، أو لأستخرج منه مذهبه، فإنهم أشد فتنة من الدجال، وكلامهم ألصق من الجرب، وأحرق للقلوب من اللهب، ولقد رأيت جماعة من الناس كانوا يلعنونهم، ويسبونهم، فجالسوهم على سبيل الإنكار، والرد عليهم، فما زالت بهم المباسطة وخفي المكر، ودقيق الكفر حتى صبوا إليهم".انتهى كلامه رحمه الله. [[7] ]"

(1) شرح الإعتقاد (1/ 28)

(2) شرح الإعتقاد (1/ 99)

(3) شرح الإعتقاد (1/ 99)

(4) شرح الإعتقاد (1/ 99)

(5) شرح الإعتقاد (1/ 99)

(6) الفوائد في اختصار المقاصد للعز بن عبد السلام

(7) الإبانة الكبرى لإبن بطة (1/ 154)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت