لقد اختلف معنا بعض أحبابنا من طلبة العلم في إطلاق اسم الخوارج على الغلاة الذين نتكلم عنهم في هذه الرسالة، وجعلوا مناط التسمية التكفير بالكبيرة ولذلك لا يجوز تسمية هؤلاء بالخوارج لأنهم لا يُكفِّرون بالكبيرة فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدما.
وردًا على ذلك أقول مستعينًا بالله العليم الحكيم:
أخرج الإمام البخاري بسنده عن معاذة العدوية أنّ امرأة سألت عائشة رضي الله عنها: أتقضي إحدانا الصلاة أيام محيضها، فقالت عائشة: أحرورية أنت، قد كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا تؤمر بقضاء. [[1] ]
فها هي أُمُّنا عائشة رضي الله عنها تقول للسائلة أحرورية أنت بمجرد تلبسها بشبهة من شبه الحرورية الخوارج، مع أن السائلة لم تكفِّر بالكبيرة؛ قال ابن رجب: وقول عائشة: (أحرورية أنت؟) تعني: أنت من أهل حروراء، وهم الخوارج؛ فإنه قد قيل: إن بعضهم كان يأمر بذلك، وقيل: إنها أرادت أن هذا من جنس تنطع الحرورية وتعمقهم في الدين حتى خرجوا منه. [[2] ]وقال السندي في حاشيته: قوله (أحرورية أنت) بفتح حاء وضم راء أولى أي خارجية وهم طائفة من الخوارج نسبوا إلى حروراء بالمد والقصر وهو موضع قريب من الكوفة وكان عندهم تشدد في أمر الحيض شبهتها بهم في تشددهم في الأمر وإكثارهم في المسائل تعنتا، وقيل أرادت أنها خرجت عن السنة كما خرجوا عنها وإنما شددت عليها لشهرة أمر سقوط الصلاة عن الحائض. [[3] ]
وأخرج ابن بطة في إبانته عن السائب بن يزيد أنه قال:"أتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقيل: يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلا سأل عن تأويل القرآن، فقال عمر: اللهم مكني منه، فبينا عمر ذات يوم جالس يغدي الناس إذ جاءه عليه ثياب، فتغدى حتى إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين، {والذاريات ذروا فالحاملات وقرا} ، فقال عمر: أنت هو، فقام إليه، وحسر عن ذراعيه، فلم يزل يجلده، حتى سقطت عمامته، فقال: والذي نفس عمر بيده، لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك، ألبسوه ثيابه، واحملوه على قتب، ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلادكم، ثم ليقم خطيبا، ثم ليقل إن صبيغا أخطأه، فلم يزل وضيعا في قومه، حتى هلك. وكان سيدهم. ثم قال ابن بطة: فإن قلت: فإنه قال: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك، فمن حلق رأسه يجب عليه ضرب العنق، فإني أقول لك: من مثل هذا أتي الزائغون، وبمثل هذا بلي المنقرون الذين قصرت هممهم، وضاقت أعطانهم عن فهم أفعال الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين، فلم يحسوا بموضع العجز من أنفسهم، فنسبوا النقص والتقصير إلى سلفهم، وذلك أن عمر رضي الله عنه، قد كان سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يخرج قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول الناس يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية من لقيهم، فليقتلهم، فإن في قتلهم أجرا عند الله) . [[4] ]"
وصبيغ ابن عسل لم يكفر بالكبيرة، ولكنه لما أراد التنقيب عما سكت عنه من هو أفضل منه، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ولم يسعه ما وسعهم، شبهه أمير المؤمنين رضي الله عنه بالمارقة، ولو أنّ عمر رضي الله عنه وجد صبيغًا حليق الرأس لأجرى عليه الحكم النبوي في المارقة الخوارج بضرب عنقه تقربًا إلى الباري جلّ في علاه.
وقال أبو الحسن الأشعري: وأصل قول الخوارج إنما هو قول الأزارقة والأباضية والصفرية والنجدية وكل الأصناف سوى الأزارقة والأباضية والنجدية فإنما تفرعوا من الصفرية. [[5] ]
لاحظ أن في كلام الإمام هذا تقريرٌ بأنّ النجدية هم من رؤوس فرق الخوارج.
وقال في موطن آخر -وهنا الشاهد-: أجمعت الخوارج على إكفار عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، لأنّه حكّم، وهم مختلفون هل كفره شرك أم لا، وأجمعوا على أنّ كلّ كبيرة كفرٌ إلاّ النجدات، فإنّها لا تقول بذلك، وأجمعوا على أنّ الله سبحانه يعذّب أصحاب الكبائر عذابًا دائمًا إلاّ النجدات. [[6] ]
(1) صحيح البخاري (1/ 32)
(2) فتح الباري لابن رجب (2/ 130)
(3) شرح سنن النسائي (1/ 269)
(4) الإبانة الكبرى (2/ 123)
(5) مقالات الإسلاميين (1/ 183)
(6) مقالات الإسلاميين (1/ 86)