اعلم وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى أن السلف لم يتوانوا عن نهي الأمة عامة وأصحابهم خاصة عن مجالسة أهل البدع والسماع منهم لعلمهم أن مجالستهم تمرض القلوب وتورثها الأسقام والعيوب، فلربما عميت عيون بعد أن كانت بصيرة ولربما صمت آذان بعد أن كانت سميعة تبعًا لفساد القلب وسقمه، فلهذا حرص سلفنا الصالح على التحذير من مجالسة أصحاب الهوى.
روى الإمام اللالكائي بسنده عن ثابت بن العجلان، قال:"أدركت أنس بن مالك، وابن المسيب، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وطاوسا، ومجاهدا، وعبد الله بن أبي مليكة، والزهري، ومكحولا، والقاسم أبا عبد الرحمن، وعطاء الخراساني، وثابتا البناني، والحكم بن عتبة، وأيوب السختياني، وحمادا، ومحمد بن سيرين، وأبا عامر، - وكان قد أدرك أبا بكر الصديق -، ويزيد الرقاشي، وسليمان بن موسى، كلهم يأمرونني في الجماعة، وينهونني عن أصحاب الأهواء".. [[1] ]
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا ممن يتبع سبيل المؤمنين ويسلك درب الصالحين. قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه:"إياكم وما يحدث الناس من البدع، فإن الدين لا يذهب من القلوب بمرة، ولكن الشيطان يحدث له بدعا حتى يخرج الإيمان من قلبه، ويوشك أن يدع الناس ما ألزمهم الله من فرضه في الصلاة والصيام والحلال والحرام، ويتكلمون في ربهم عز وجل، فمن أدرك ذلك الزمان فليهرب، قيل: يا أبا عبد الرحمن فإلى أين؟ قال: إلى لا أين قال: يهرب بقلبه ودينه، لا يجالس أحدا من أهل البدع". [[2] ]
وعن الحسن البصر ي أنه قال:"لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم". [[3] ]
وعن الفضيل بن عياض قال:"لا تجلس مع صاحب بدعة؛ فإني أخاف أن ينزل عليك اللعنة". [[4] ]
وقال أيضا:"صاحب البدعة لا تأمنه على دينك، ولا تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه، فمن جلس إلى صاحب بدعة ورثه الله العمى". [[5] ]
روى ابن وضّاح عن أيوب قال:"دخل على محمد بن سيرين يوما رجل فقال: يا أبا بكر، أقرأ عليك آية من كتاب الله لا أزيد على أن أقرأها ثم أخرج، فوضع إصبعيه في أذنيه ثم قال: أحرج عليك إن كنت مسلما لما خرجت من بيتي، قال: فقال: يا أبا بكر، إني لا أزيد على أن أقرأ ثم أخرج، قال: فقام بإزاره يشده عليه، وتهيأ للقيام، فأقبلنا على الرجل فقلنا: قد حرج عليك إلا خرجت، أفيحل لك أن تخرج رجلا من بيته، قال: فخرج، فقلنا: يا أبا بكر، ما عليك لو قرأ آية ثم خرج؟ قال: إني والله لو ظننت أن قلبي يثبت على ما هو عليه ما باليت أن يقرأ، ولكني خفت أن يلقي في قلبي شيئا أجهد أن أخرجه من قلبي فلا أستطيع. [[6] ]"
الله أكبر، هذا الإمام التابعي يمتنع أن يمكّن سمعه من مبتدع خشية أن يقع في قلبه شيء من ضلاله فكيف بالبعض منّا ممن مكّن قلبه وجوارحه من أهل البدع يبثون سمومهم فيها كيفما شاءوا، مدعيًا أنه لن يتأثر بهم وأنه راسخ في عقيدة أهل السنة والجماعة رسوخ الجبال، ولقد سبق وذكرنا بعضًا من قصص هؤلاء وكيف أن البعض منهم لم يتحمل جلسة واحدة مع القوم فإذا به يقوم كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، إلاّ من رحم ربك جلّ وعلا وقليلٌ ما هم، ولا عجب إذ أن الله سبحانه وتعالى قد توعد كل من خالف أمره وأمر نبيّه صلى الله عليه وسلّم بمثل هذا المآل، قال الله سبحانه وتعالى {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة النور، الآية:63] . نسأل الله أن لا يفتننا في ديننا وأن يثبتنا على ما يحب ويرضى.
قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى:"من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله الله النار، وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموه (أي لا أبالي بهجركم إياه، ويصرّ على مخالطته) ، وإني واثق بنفسي، فمن أَمِنَ اللهَ على دينه طرفة عين سلبه إياه". [[7] ]
(1) شرح أصول الإعتقاد (1/ 103)
(2) شرح أصول الإعتقاد (1/ 93)
(3) شرح أصول الإعتقاد (1/ 93)
(4) شرح أصول الإعتقاد (1/ 108)
(5) شرح أصول الإعتقاد (1/ 108)
(6) البدع لابن وضّاح (1/ 148)
(7) البدع لابن وضّاح (1/ 125)