اعلم وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى، أن الهجر حكمٌ شرعي متفرع عن أصل عظيم من أصول التوحيد وهو الولاء والبراء والحب والبغض في الله، وهما من أعلى مراتب الإيمان وأوثق عراه. أخرج الإمام أحمد في مسنده من طريق معاوية بن سويد بن مقرّن عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال:"كنا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أي عرى الإسلام أوثق قالوا: الصلاة قال: حسنة وما هي بها قالوا: صيام رمضان قال: حسن وما هو به قالوا: الجهاد قال: حسن وما هو به، قال: إن أوثق عرى الإيمان أن تحب لله وتبغض في الله) . [[1] ]"
قال سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى:
وما الدين إلاّ الحب والبغض والولا ... كذاك البرا من كل غاوٍ وآثمِ
و قد دلت على هذا النصوص الشرعية المستفاضة من الكتاب والسنة، فمنها قول الله سبحانه وتعالى ذكره: {وَقَدْ نَزَّ لَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [سورة النساء، الآية:140] قال الإمام البغوي في تفسير هذه الآية: قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: دخل في هذه الآية كلُّ مُحْدِث في الدين وكلُّ مبتدع إلى يوم القيامة. انتهى [[2] ]، وقال إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله: وفي هذه الآية، الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع، من المبتدعة والفسَقة، عند خوضهم في باطلهم. [[3] ]
وقال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة المجادلة، الآية:22] ، قال الإمام القرطبي: استدل مالك رحمه الله من هذه الآية على معاداة القدرية وترك مجالستهم. قال أشهب عن مالك: لا تجالس القدرية وعادهم في الله، لقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} قلت (الكلام للقرطبي) : وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان. انتهى [[4] ]
وأنزل الألوسي هذه الآية على أهل البدع في تفسيرها، فقال: وحكى الكواشي عن سهل أنه قال: من صحح إيمانه وأخلص توحيده فإنه لا يأنس إلى مبتدع ولا يجالسه ولا يؤاكله ولا يشاربه ولا يصاحبه ويظهر له من نفسه العداوة والبغضاء، ومن داهن مبتدعًا سلبه الله تعالى حلاوة السنن، ومن تحبب إلى مبتدع يطلب عز الدنيا أو عرضًا منها أذله الله تعالى بذلك العز وأفقره بذلك الغنى، ومن ضحك إلى مبتدع نز ع الله تعالى نور الإيمان من قلبه، ومن لم يصدق فليجرب انتهى. [[5] ]
(1) مسند أحمد (4/ 286) . ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد وقال رجاله ثقات (1/ 48) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترغيب (3/ 94)
(2) تفسير البغوي (2/ 301)
(3) تفسير الطبري (9/ 321)
(4) القرطبي (17/ 308)
(5) الألوسي (20/ 402)