سئل الإمام احمد عن حسين الكرابيسي فقال للسائل:"هو مبتدع، وقال في موضع آخر: إياك إياك وحسين الكرابيسي، لا تكلمه ولا تكلم من يكلمه". [[1] ]
و أخرج ابن وضاح بسنده عن حميد الأعرج، قال:"قدم غيلان مكة فجاور بها، فأتى غيلان مجاهدا وقال: يا أبا الحجاج، بلغني أنك تنهى الناس عني وتذكرني، بلغك عني شيء لا أقوله، إنما أقول كذا، إنما أقول كذا، فجاء بشيء لا ينكره، فلما قام قال مجاهد: لا تجالسوه؛ فإنه قدري. قال حميد: فإني يوما في الطواف لحقني غيلان من خلفي فجبذ ردائي فالتفت، فقال: كيف يقرأ مجاهد حرف كذا وكذا؟ فأخبرته، فمشى معي، قال: فبصر بي مجاهد معه، فأتيته فجعلت أكلمه فلا يرد علي، وأسأله فلا يجيبني، قال: فغدوت إليه فوجدته على تلك الحال، فقلت: يا أبا الحجاج، ما لك؟ أبلغك عني شيء، أحدثت حدثا، مالي؟ فقال: ألم أرك مع غيلان وقد نهيتكم أن تكلموه، أو تجالسوه، قال: قلت: والله يا أبا الحجاج ما ذكرت قولك، وما بدأته، هو بدأني، قال: فقال: والله يا حميد، لولا أنك عندي مصدق ما نظرت لي في وجه منبسط ما عشت". [[2] ]
تأمل يا أخي كيف أن مجاهدًا رحمه الله تعالى هجر صاحبه بمجرد مرة واحدة رآه فيها يماشي مبتدعا، وأما بعض أهل الزمان فإنه ليشق عليه هجران المبتدعة أنفسهم فضلًا عن أن يهجر قرناءهم.
قال عبدالله بن عمر السرخسي:"أكلت عند صاحب بدعة أكلة فبلغ ذلك ابن المبارك فقال: لا كلمته ثلاثين يومًا". [[3] ]
فإين أصحاب -لا أقول الأكلة- بل الأكلات الذين يوالون ويعادون ويحبون ويبغضون في بطونهم لا في الله ولا لله، فإلى الله المشتكى.
قال الفضيل ابن عياض:"من جلس مع صاحب بدعة فاحذره، ومن جلس مع صاحب البدعة لم يعط الحكمة، وأحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد، آكل عند اليهودي والنصراني أحب إلي من أن آكل عند صاحب بدعة". [[4] ]
ولم يقتصر هجران السلف لمن ماشى أهل الأهواء في حياتهم بل إن البعض منهم هجر من ماشى أهل الضلال حتى في مماته.
دُعي أيوب السختياني إلى غسل ميّت، فخرج مع القوم حتى إذا كشف عن وجهه عرَفه، فقال:"أَقبِلوا قِبَل صاحبكم، فلست أغسله، رأيته يماشي صاحب بدعة". [[5] ]
فإذا كان هذا يا عبد الله صنيع التابعين بمن ماشى أهل البدع بعد موتهم، فكيف كان يا ترى صنيعهم بأهل البدع أنفسهم في حياتهم؟؟
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لرجل رآه يصحب رجلا كرهه له:
ولا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه ... فكم من جاهل أردى حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء إذا ما هو ماشاه ... وللشيء على الشيء مقاييس وأشباه
وللروح على الروح دليل حين يلقاه ... وذو الحزم إذا أبصر ما يخشى توقاه
وذو الغفلة مغرور وريب الدهر يدهاه ... ومن يعرف صروف الدهر لايبطره نعماه
(1) تاريخ بغداد (8/ 65)
(2) البدع لإبن وضاح (127)
(3) شرح أصول الإعتقاد (1/ 110)
(4) الإبانة الكبرى لإبن بطة (1/ 158)
(5) شرح أصول الإعتقاد (1/ 411)