فهرس الكتاب
ولولا الخلاف مع أهل الأهواء لما تميز الخبيث من الطيب، والله سبحانه وتعالى لا يرضى بهذا الخلط قال الله تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ .. الآية} [سورة آل عمران، الآية:179] ؛ فلا بد إذًا للحق من التميز ولا يكون ذلك إلا بالخلاف مع أهل الباطل ولا يكون الخلاف إلا بإنكار ما هم عليه من ضلال فإذا أذعنوا للحق وانصاعوا له، وإلا فالهجر والبتر، قال الله تعالى: {وَقَدْ نَزَّ لَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [سورة النساء، الآية:140] .
فبالخلاف مع أهل الباطل يظهر الحق واضحًا جليًا للخلائق ويتميز أهله، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية مبيّنا ظهور أهل السنة على أهل البدع بالخلاف:"وهذا يعلم تارةً بموارد النزاع بينهم وبين غيرهم فلا تجد مسألةً خولفوا فيها إلا وقد تبين أن الحق معهم، وتارةً بإقرار مخالفيهم ورجوعهم إليهم دون رجوعهم إلى غيرهم أو بشهادتهم على مخالفيهم بالضلال والجهل، وتارةً بشهادة المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض".انتهى [[1] ]
وأما القول بأن فيهم خير؛ فهذا ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وصف لنا الخوار ج بقوله: (يخر ج فيكم قومٌ تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم ويقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يرى شيئًا و ينظر في القدح فلا يرى شيئًا وينظر في الريش فلا يرى شيئًا وتمارى في الفوق) [[2] ].
فرغم أن القوم كثيروا صلاةٍ وصيامٍ وقراءة ٍ للقرآن، ولاشك أن هذا خيرٌ كله، إلاّ أن ذلك لم يمنعه صلى الله عليه وسلم من التحريض على منابذتهم بل وعلى قتالهم و قتلهم، والإخبار بأن في قتلهم أجرٌ عظيم، وأن قتلاهم شر قتلى تحت أديم السماء، ووصفهم بأشنع الأوصاف مثل؛ كلاب النار، والمارقة وغيرها، كل ذلك لما حمّلوا النصوص ما لا تحتمل وأوّلوها على خلاف ما أوّلها الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلّم: (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم) . وقد أقرّ كذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بأن الخوارج كثيروا عبادة وذكر، ولكنه رغم ذلك قاتلهم لنبذهم الحق وبغيهم على المؤمنين؛ فلما سئل عن أهل النهروان:"أكفارٌ هم؟ قال: من الكفر فرّوا، قيل: فمنافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا، قيل: فما هم؟ قال: هم قوم ضل سعيهم، وعموا عن الحق، بغوا علينا فقاتلناهم". انتهى [[3] ].
فاحذر أيها الحبيب من أن تغتر بخيرهم فيعميك ذلك عن شرهم، فإن أمرهم خطير وشرهم مستطير.
بصرنا الله وإياك بالحق والهدى وجنبنا طرائق الضلال والردى.
هذا ما استطعت أن أجمعه من كلام أهل العلم المعتبرين من السلف والخلف في موضوع هذه الرسالة، فما وافق فيها كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلّم فبمحض فضل الله وكرمه، وما خالف فيها الصواب فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان.
و أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يتجاوز عن سيئاتنا وأن ينفع بهذه الرسالة مقدمها وكاتبها وقارءها وناشرها إنه ولي ذلك والقادر عليه.
{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [سورة إبراهم، الآية:41] .
الخامس عشر من شعبان سنة 1429
نور الدين بيرم (أبوعبد الرحمن)
(1) مجموع الفتاوى (4/ 10)
(2) البخاري (4771)
(3) شرح صحيح البخاري لابن بطال (16/ 136)