الصفحة 4 من 25

فإلى الله المشتكى، والله المستعان و عليه التكلان.

ولما كان التصدي لأهل البدع من أوجب الواجبات والبراءة من بدعهم و هجرانهم من الأمور المتحتمات بل إن غير واحد من الأئمة الأعلام نص على أنه من جنس الجهاد في سبيل الله، كإمام أهل السنة أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام بن تيمية .. وغيرهم رحمهم الله أجمعين، أصبح لزامًا علينا تحذير إخواننا الذين هم رأس مال هذه الأمة الغالية من مخالطة أصحاب الأهواء وخاصةً أهل الغلو منهم والإفراط، ولا يخفى على من أكرمه الله بعين تبصر بالحق أن بعض الإخوة من الذين خالطوا الغلاة قد التبس عليهم أمر القوم؛ فقسمٌ منهم اقتحم معركة الحيرة بمجالسته أهل الباطل والسماع منهم، ولأنه لم يلبس للحرب لأمتها من العلم تراه عاجزًا أن يدفع الخطر عن نفسه ويوشك أن يكون صريعهم، قال ابن قيم الجوزية في كلامه عن مخالطة الناس وأقسامها: القسم الرابع: من مخالطته الهلك كله ومخالطته بمنزلة أكل السم فإن اتفق لأكله ترياق وإلا فأحسن الله فيه العزاء وما أكثر هذا الضرب في الناس لا كثرهم الله وهم أهل البدع والضلالة الصادون عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الداعون إلى خلافها الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا فيجعلون البدعة سنة والسنة بدعة والمعروف منكرا والمنكر معروفا. انتهى [[1] ].

وقسم قد أشرب في قلبه اتباع الهوى، فبخلطته أهل الأهواء وجد ضالّته التي طالما رام وتخللت في عروقه ألفتهم فالأرواح جنودٌ مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف [[2] ]، بل إنهم قد غدوا عن أقرانهم منافحين وعن ضلالاتهم مدافعين.

وقسم بات يرقع لهم بأقبح الأعذار، فتارة يزعم أنهم متأولون والحق يرومون، ويزعم تارة أخرى أنهّم تراجعوا عن أقوالهم وبدلوا من اعتقادهم، ولا يدري هذا المسكين أن قوله هو الذي تراجع واعتقاده هو الذي تبدل والمصيبة أنه لا يدري بأنه لا يدري، فوالذي لا إله إلا هو أننا رأينا مثل هذا في أكثر من موطن، فلقد قال لنا أحد الذين اتسع على ترقيعهم خرق القوم مرة:"أنهم تراجعوا عن القول بأن الأصل في الناس الكفر وأنهم يقولون بقول أهل السنة والجماعة الآن"، ولما سئل (الناقل) عن ذلك قال:"إنهم يقولون بأن المجتمع مجتمعٌ مسلم ولكنه ليس بموحِد"!! والأدهى من ذلك أنه عندما سئل ذلك الغالي الذي نُقِل عنه التراجع قال:"من أخبرك بأنني تراجعت فقد كذب وإنني لا زلت على ديني". فتأمل!

قال رجل لأيوب السختياني رحمه الله تعالى:"يا أبا بكر إن عمرو بن عبيد قد رجع عن رأيه"، قال:"إنه لم يرجع"، قال:"بلى يا أبا بكر، إنه قد رجع"، قال أيوب:"إنه لم يرجع"، ثلاث مرات،"أما إنه لم يرجع، أما سمعت إلى قوله: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يرجع السهم إلى فوقه".انتهى [[3] ].

ومن مدة ليست ببعيدة أخبرني من لا يخفى على أحدٍ من الإخوة غيرته على دين الله ونصرته لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهو من الذين سبقوا في تجريد سيوفهم للذب عن منهج التوحيد، وهجر في الله أقرب الناس إليه رحمًا وصحبةً لما تبيّن له أنه أفرط في التكفير وغلا فيه، نسأل الله الثبات لنا وله، أخبرني أنه اجتمع في مكان مع أحد أولئك الذين يجادلون عن القوم وكان في نفس المكان أحد الغلاة فقال له الأول:"لم لاتسلم على فلان فإنه قد تغير وتراجع عن منهجه"، فذهب إليه أخونا وسلم عليه ولما كلمه عن تراجعه قال:"من قال لك أنني تراجعت؟ أنا لم أتراجع"، فقال له الأخ والله لو علمت هذا ما وضعت يدي في يدك.

ولو سقنا أمثال هذه المواقف لما وسع المقام، ولكن الحاصل أن بعض الإخوة يريدون أن يمسكوا العصى من وسطها بدعوى عدم الفرقة وجمع الصف وبدعوى أن نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، وما أفسدها من دعاوي، فكيف لنا أن نتفق مع القوم في شيء وهم يخالفوننا في أصول عقيدتنا، وكيف نعذرهم فيما لم يعذرهم فيه ربنا جل وعلا، قال الله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [سورةالنساء، الآية: 115] .

(1) بدائع الفوائد (1/ 519 - 520)

(2) رواه البخاري برقم (3336)

(3) شرح أصول الإعتقاد (1/ 112)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت